محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
214
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
قادر من للعاجز غيرك ؟ ومن بساط الذلّ : يا عزيز من للذليل غيرك ؟ تجد الإجابة كأنها طوع يدك اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف : 128 ] . انتهى كلام سيدي أبي الحسن ، وهو معنى ما ذكره المؤلف هاهنا . وأكثر كلام المؤلف جار على منهاج كلام أبي الحسن رضي اللّه عنهما ، ونفع بهما . ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة . الكرامة الحقيقية إنما هي حصول الاستقامة ، والوصول إلى كمالها . ومرجعها إلى أمرين : صحة الإيمان باللّه عزّ وجلّ ، واتّباع ما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ظاهرا وباطنا . فالواجب على العبد أن لا يحرص إلّا عليهما ، ولا تكون له همّة إلا في الوصول إليهما . وأمّا الكرامة بمعنى خرق العادة ، فلا عبرة بها عند المحققين ؛ إذ قد يرزق ذلك من لم تكمل له الاستقامة . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه : « إنما هما كرامتان ، جامعتان ، محيطتان : كرامة الإيمان بمزيد الإيقان وشهود العيان ، وكرامة العمل على الاقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوى والمخادعة ، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو مغترّ كذّاب ليس ذا حظّ في العلم والعمل بالصواب ، كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضا فجعل يشتاق إلى سياسة الدواب وخلع الرضا ، وكلّ كرامة لا يصحبها الرضا عن اللّه ، ومن اللّه ، فصاحبها مستدرج مغرور ، وناقص أو هالك مثبور » . وقال سيدي أبو العباس المرسي ، رضي اللّه تعالى عنه : « ليس الشأن من تطوى له الأرض فإذا هو بمكة وغيرها من البلدان ، إنما الشأن من تطوى عنه أوصاف نفسه فإذا هو عبد عند ربّه » . وذكر عند سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه ، الكرامات فقال : « وما الآيات ! ! وما الكرامات ! ! هي شيء تنقضي لوقتها ، ولكن أكبر الكرامات أن تبدّل خلقا مذموما من أخلاق نفسك بخلق محمود » . وقال بعض المشايخ : « لا تعجبوا ممن لم يضع في جيبه شيئا فيدخل يده في جيبه فيخرج منه ما يريد ، ولكن تعجبوا ممن يضع في جيبه شيئا فيدخل يده في جيبه فلا يجده فلا يتغير » . وقيل لأبي محمد المرتعش ، رضي اللّه تعالى عنه : إن فلانا يمشي على الماء .