محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

12

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

تضيع ما استكفيت » ، فمن قام بهذا الأمر على ما ينبغي له من الوجه الذي ذكرناه : من الاجتهاد في الأمر المطلوب منه ، وتفريغ القلب من الأمر المضمون له ، فقد انفتحت بصيرته ، وأشرق نور الحق في قلبه ، وحصل على غاية المقصود . ومن عكس هذا الأمر فهو مطموس البصيرة ، أعمى القلب ، وفعله دليل على ذلك . والبصيرة : ناظر القلب ، كما أن البصر : ناظر العين . وناظر القلب إنما ينظر إلى العاقبة ، والعاقبة للمتقين ، فالتقوى هي التي يجب على العبد أن يجتهد فيها ولا يتوانى ، ويقصّر عمّا يمنع منها . وتعبير المؤلف ، رحمه اللّه ، بالاجتهاد إشعار بأن طلب الرزق من غير اجتهاد فيه غير مقصود بالكلام ، وهو كذلك لأنه مباح ومأذون فيه ، فلا يدل ذلك على انطماس بصيرة صاحبه ، إلا إن اقترن به تقصير فيما أمر به ، قال في « التنوير » في قوله تعالى : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ [ طه : 132 ] . أي : قم بخدمتنا ، ونحن نقوم لك بقسمتنا ، وهما شيئان : شيء ضمنه اللّه لك فلا تهتم به ، وشيء طلبه منك فلا تهمله . فمن اشتغل بما ضمن له عما طلب منه فقد عظم جهله واتسعت غفلته ، وقلّ أن يتنبه لمن يوقظه ، بل حقيق على العبد أن يشتغل بما طلب منه عما ضمن له ، إذا كان اللّه سبحانه وتعالى قد رزق أهل الجحود ، فكيف لا يرزق أهل الشهود ؟ وإذا كان سبحانه قد أجرى رزقه على أهل الكفران ، كيف لا يجري رزقه على أهل الإيمان ؟ فقد علمت أيها العبد أن الدنيا مضمونة لك ، أي : مضمون لك منها ما يقوم بأودك ، والآخرة مطلوبة منك ، أي : العمل لها ، لقوله سبحانه وتعالى : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة : 197 ] فكيف يثبت لك عقل أو بصيرة واهتمامك فيما ضمن لك اقتطعك عن اهتمامك بما طلب منك من أمر الآخرة ؟ ! حتى قال بعضهم : « إن اللّه تعالى ضمن لنا الدنيا وطلب منا الآخرة ، فليته ضمن لنا الآخرة وطلب منا الدنيا » . لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك فهو الذي ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك ، لا فيما تختاره لنفسك ، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد . حكم العبد أن لا يختار شيئا على مولاه ، ولا يجزم بصلاحية حال من الأحوال له ،

--> - 1 / 28 وطبقات الشعراني 1 / 83 وسماه إبراهيم بن إسماعيل ، والرسالة القشيرية ص 411 ) .