محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

161

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

بعصاه ، فجعل يضرب ظهري ويقول : يا لصّ ، ما أخرب مقثأتي غيرك ، مذ كم « أرصدك » حتى وقعت عليك ، وإذا أنا بفارس قد أقبل مسرعا إليه فضربه بالسوط في رأسه وقال : أما تخاف اللّه ، تعمد إلى رجل زاهد فتضربه ! ! أو يقال لمثل هذا يا لصّ ؟ ! قال : فما كان بأسرع من أن كنت عنده لصّا فصرت زاهدا كما حدثتك قال : فأخذ بيدي صاحب المقثأة ، فذهب بي إلى منزله ، فما أبقى من الكرامة شيئا ، واستحلني فخرجت من عنده وجئت إليك » . وقد يكون من معنى نظره إلى ما يفعل اللّه به أن ينظر ما يرد على قلبه من الإشارات من قبله ؛ فيكون إقدامه وإحجامه بوجود بصيرة وحسن توفيق . وهذا ميزان شريف اقتضاء دوام التجائه وصدق افتقاره . قال سيدي أبو مدين ، رضي اللّه عنه : « احرص من أن تصبح وتمسى إلّا مفوّضا مستسلما لعله أن ينظر إليك فيرحمك » . وقال بعضهم : من اهتدى إلى الحق لم يهتد إلى نفسه ، ومن اهتدى إلى نفسه لم يهتد إلى اللّه ، فانظر إذا استقبلك شغل ، فإن عاد قلبك في أوّل وهلة إلى حولك وقوّتك فأنت المنقطع عنه ، وإن عاد قلبك إلى اللّه فأنت الواصل إلى اللّه وكل العالم في قبضته . وتخصيص أهل الوصلة بأنهم في كنف إيوائه ، ولا يكلهم إلى غيره واعتبر هذا المعنى بعمرة الحديبية ، وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لمّا صدّه المشركون فيها عن مكة ، ومنعوه ، من أن يتمّ بين أظهرهم نسكه رجع في الحال عن تلك العمرة ولم يتعرّض لهم بما يحصل له به في الظاهر عزّة أو نصرة بعد ما كان دعا إليه من بيعة « الرضوان » تحت الشجرة وما عزم عليه من مناجزة « 1 » من حادّة من الكفرة ، وعمل في ذلك على ما أظهره اللّه له من آياته العظام عند بروك ناقته لمّا أراد توجيهها إلى البيت الحرام ، وقال حينئذ مظهرا لما قصده ومقررا لما اعتمده « إنما حبسها حابس الفيل لا تدعوني اليوم قريش إلى خطة فيها صلة رحم إلّا أجبتهم إليها » . فكان كما قال صلى اللّه عليه وسلم وشرّف وكرّم : « صالحهم على وضع الحرب فيما بينهم عشر سنين لينقلبوا في الأرض آمنين « 2 » ، فلما استتبّ بينهم الصلح وأنزل اللّه تعالى سورة الفتح ظهرت الفوائد التي تضمنها ذلك التدبير الحسن وقرّت أعين الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم بما أبرزه اللّه إليهم من ألطاف ومنن ، وقد صح بالمعنى جميع ما قلناه في الخبر ونقله إلينا علماء الحديث والسير .

--> ( 1 ) ناجزه : نازله وقاتله . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( جهاد ، 156 ) .