محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
158
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الجنيد : إنّ هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال ، وهذه عندي عظيمة ، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا ، وإن العارفين باللّه أخذوا الأعمال عن اللّه ، وإليه راجعون فيها ، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرّة إلا أن يحال بي دونها ، وإنه لأوكد لي معرفتي ، وأقوى في حالي . قال السّهروردي « 1 » رضي اللّه عنه في كتاب : « عوارف المعارف » : « فأما من تعوّق بخيال ، أو قنع بمحال ، ولم يحكم أساس خلوته بالإخلاص فيدخل الخلوة بالزّور ، ويخرج بالغرور ، فيرفض العبادات ويستحقرها ، ويسلبه اللّه تعالى لذّة المعاملة ، ويذهب عن قلبه هيبة الشريعة ، ويفتضح في الدنيا والآخرة ، فيعلم الصادق أنّ المقصود من الخلوة ، التقرب إلى اللّه تعالى بعمارة الأوقات ، وكفّ الجوارح عن المكروهات ، فيصلح لقوم من أرباب الخلوة مداومة الأوراد ، وتوزيعها على الأوقات ، ويصلح لقوم دوام المراقبة ، ويصلح لقوم ملازمة ذكر واحد ، ويصل لقوم الانتقال من الذكر إلى الأوراد ، ولقوم الانتقال من الأوراد إلى الذكر » انتهى ما يتعلق بغرضنا من كلام السهروردي ، رضي اللّه عنه وهو مناسب لما ذكره المؤلف رحمه اللّه تعالى ، وليس من هذا المعنى ما روي عن أبي سليمان الداراني ، وأحمد بن عاصم الأنطاكي « 2 » ، رضي اللّه عنهما ، أنهما قالا : « إذا صارت المعاملة إلى القلوب استراحت الجوارح » وإن كان ظاهره موهما له ، فإنّ أبا نصر السّراج ، رضي اللّه عنه ، فسّره بعد أن حكاه عن أبي سليمان الداراني فقال : « وهذا الذي قاله أبو سليمان يحتمل معنيين : أحدهما : أنه أراد بذلك استراحة الجوارح من المجاهدات والمكابدات من الأعمال إذا اشتغل بحفظ قلبه ، ومراعاة سرّه من الخواطر المشغلة ، والعوائق المذمومة التي تشغل عن ذكر اللّه تعالى قلبه ، ويحتمل أيضا أنه أراد بذلك أن يتمكن من المجاهدات والأعمال ، والعبادات ، وتصير وطنه ، ويستلذّ بها بقلبه ، ويجد حلاوتها ، ويسقط عنه التعب ووجود الآلام التي كان يجدها قبل ذلك » ، انتهى كلام أبي نصر ، ومعناه صحيح ، واللّه أعلم وبه التوفيق .
--> ( 1 ) السّهروردي ( 539 - 632 ه - 1145 - 1234 م ) عمر بن محمد بن عبد اللّه بن عموية أبو حفص ، شهاب الدين القرشي التيمي البكري السهروردي ، فقيه شافعي مفسر ، واعظ من كبار الصوفية . مولده في سهرورد ووفاته في بغداد ، كان شيخ شيوخ ببغداد ، وأوفده الخليفة إلى عدة جهات رسولا ، وأقعد في آخر عمره . له من الكتب « عوارف المعارف » و « السير والطير » وغيرهما . ( الأعلام 5 / 62 ، وشذرات الذهب 5 / 153 ، ووفيات الأعيان 3 / 446 - 448 ) . ( 2 ) هو أبو علي أحمد بن عاصم الأنطاكي ، من أقران بشر بن الحارث وسري السقطي ، وكان يسمى « جاسوس القلوب » لحدة فراسته ، من كلامه « إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك » . ( الرسالة القشيرية ص 394 ) .