محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
148
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
يعافيك . قالت : اصبر . ثم قالت : فإنّي أنكشف ، فادع اللّه أن لا أنكشف . فدعا لها » « 1 » إلى غير ذلك مما روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في هذا الباب ممّا لا يحصى كثرة . وفيها أيضا يحصل له تجديد التوبة وأداء الحقوق والتبعات والظلامات وكثرة الاستغفار ، وحسن التذكار ، وكثرة ذكر الموت ؛ إذ ذاك أبلغ ما يذكر به ، فقد قيل : « الحمىّ بريد الموت » . وقد قيل في قوله تعالى : أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [ التوبة : 126 ] أي : يختبرون بها . وفي حديث عائشة « 2 » وأنس رضي اللّه عنهما « قيل : يا رسول اللّه ، هل يكون مع الشهداء يوم القيامة غيرهم ؟ قال : نعم ، من ذكر الموت كلّ يوم عشرين مرة » وفي لفظ الحديث الآخر : ( من يذكر ذنوبه فتحزنه ) . وقد كان السلف ، رضي اللّه عنهم ، يستوحشون « 3 » إذا خرج عنهم عام لم يصابوا فيه بنقص من نفس أو مال . ويقال : « لا يخلو المؤمن في كلّ أربعين يوما أن يراع [ يروّع ] بروعة ، أو يصاب بنكبة » ، وكانوا يكرهون فقد ذلك في هذا العدد من غير أن يصابوا فيه بشيء . وفيها أيضا يقع له خلف ما يفوته من الطاعات ونوافل العبادات فيكتب له في مرضه مثل ما كان يعمل من ذلك في صحته ، وذلك أبلغ له في الوصول إلى غرضه ، لأنه من اختيار اللّه تعالى له ، وهو خير مما اختاره لنفسه ، وفي الخبر : يقول اللّه تعالى لملائكته اكتبوا لعبدي صالح ما كان يعمله في صحته ، فإنّه في وثاقي ، إن أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، وإن توفيته توفيته إلى رحمتي » . وفي الحديث الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري « 4 » ، رضي اللّه عنه ، قال :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( مرضى ، 6 ) ، ومسلم ( برّ ، 54 ) ، وأحمد بن حنبل ( 3 ، 211 ) . ( 2 ) عائشة بنت أبي بكر الصديق ( توفيت 58 ه - 678 م ) أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين . كانت زوجة الرسول وأحب نسائه إليه ، وأكثرهن رواية للحديث . ( الأعلام 3 / 240 ، والرسالة القشيرية ص 128 ، وتهذيب الكمال 22 / 372 ) . ( 3 ) استوحش : وجد وحشة . ( 4 ) عبد اللّه بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب ( 21 ق ه - 44 ه - 602 - 665 م ) أبو موسى من بني الأشعر من قحطان ، صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين ، وأحد الحكمين اللذين رضي بهما عليّ ومعاوية بعد حرب صفين . ولد في زبيد باليمن وقدم مكة فأسلم وهاجر إلى أرض الحبشة ، ثم استعمله الرسول صلى اللّه عليه وسلم على زبيد وعدن ، وولاه عمر البصرة فافتتح أصبهان والأهواز وولي عليها ثم عزل ، فانتقل للكوفة فولي عليها وبعد وفاة عثمان أقره علي لكن عندما أرسل عليّ يدعو أهل الكوفة لينصروه فأمرهم أبو موسى بالقعود فعزله عليّ ، فأقام إلى أن كان التحكيم وخدعه عمرو بن العاص فارتد أبو موسى إلى الكوفة فتوفي فيها . له ( 355 حديثا ) . ( الأعلام 4 / 114 ، وحلية الأولياء 1 / 256 ، وتهذيب الكمال 10 / 425 .