محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
139
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
أتكمّل الفاني وتترك باقيا * هملا ، وأنت بأمره لم تحفل فالجسم للنفس النفيسة آلة * ما لم تحصله بها لم يحصل يفنى ، وتبقى دائما في غبطة * أو شقوة وندامة لا تنجلي أعطيت جسمك خادما فخدمته * أتملّك المفضول رقّ الأفضل شرك كثيف أنت في أحباله * ما دام يمكنك الخلاص فعجّل من يستطع بلوغ أعلى منزل * ما باله يرضى بأدنى منزل ! ! وقيل في هذا المعنى أيضا : يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته * وتطلب الربح فيما فيه خسران أقبل على النفس فاستكمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان ليخفف ألم البلاء عليك علمك بأنه سبحانه هو المبلى لك ، فالذي واجهتك منه الأقدار ، هو الذي عودك حسن الاختيار . [ هو الذي عودك حسن الاختيار 139 ] إذا علم العبد أن اللّه تعالى رحيم به ، ومتعطف عليه ، وناظر إليه ، فكل ما يورده عليه من أنواع البلايا والرزايا « 1 » ينبغي له أن لا يكترث بذلك ، ولا يباليه فإنه لم يتعوّد منه إلّا خيرا له ، فليحسن به ظنه ، وليعتقد أن ذلك اختيار له ، وأنّ له في ذلك مصالح خفيّة لا يعلمها إلّا هو كما قال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] . قال أبو طالب المكّي في هذه الآية : « فالعبد يكره العيلة والفقر والخمول والضرّ وهو خير له في الآخرة ، وقد يحب الغنى والعافية والشهرة وهو شرّ له عند اللّه تعالى وأسوأ عاقبة . وفي معنى ذلك قوله تعالى : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [ لقمان : 20 ] . قيل : ظاهرة : العوافي ، وباطنة : البلايا ؛ لأنها نعمة في الآخرة . فإذن كلّ ما يصيب المؤمن فهو نعمة كائنا ما كان ، فله الحمد على نعمه ، قال في « التنوير » : « إنما يقوّيهم على حمل أقداره شهود حسن اختياره ، وأنشد فيه لنفسه بقوله : وخفّف عنّي ما إلاقي من العنا * بأنّك أنت المبتلى والمقدّر وما لا مرىء عمّا قضى اللّه معدل * وليس له منه الذي يتخيّر وكان الأستاذ أبو عليّ الدقاق ، رضي اللّه عنه ، يقول : « جربت مرّة وكنت في صورة وحشة من ذلك ، فدخلت الحمّام ففتح على قلبي بشيء من الرضا فكنت ألثم كلّ واحدة من تلك القروح فخرجت ولم يبق منها أثر » .
--> ( 1 ) الرزايا : ( ج ) رزية : المصيبة .