محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

126

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الدنيا ليس من الدنيا ، هو من الجنة أظهر لأهل اللّه تعالى في الدنيا لا بعرفه إلا هم ، ولا يجد سواهم روحا لقلوبهم . وقال بعض العلماء : ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة . وقال أحمد بن أبي الحواري ، رضي اللّه عنه : دخلت على أبي سليمان الداراني ، رضي اللّه تعالى عنه ، يوما وهو يبكي ، فقلت له : وما يبكيك ؟ فقال : يا أحمد ، ولما لا أبكي : إنه إذ جنّ الليل . . . ونامت العيون . . . وخلا كلّ حبيب بحبيبه . . . وافترش أهل المحبة أقدامهم . . . وجرت دموعهم على خدودهم ، وتقطرت في محاربيهم ، أشرف الجليل سبحانه ، فنادى : يا جبريل ، بعيني من تلذّذ بكلامي واستراح إلى ذكرى ، وإني لمطلع عليهم في خلواتهم : أسمع أنينهم ، وأرى بكاءهم ، فلم لا تنادي فيهم ؟ ، يا جبريل ، ما هذا البكاء ، هل رأيتم حبيبا يعذّب أحبابه ، أم كيف يجمل بي أن آخذ قوما إذا جنّهم الليل تملقوا لي ، فبي حلفت إذا وردوا على القيامة لأكشفنّ لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إلي ، وأنظر لهم . من عبده لشيء يرجوه منه أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه فما قام بحق أوصافه . عمل العاملين لأجل حصول الجزاء ، أو فرارا من عقوبة المولى مدخول معلول ليس من شأن الحاذقين « 1 » المحققين ؛ لأن قيام العبد بحق أوصاف مولاه يقتضي أن لا يعمل لأجل حظه من جلب ثواب أو دفع عقاب ؛ لأنه عبد يستحق عليه مولاه كلّ شيء ولا يستحق هو عليه شيئا ، وهذا من أعلى المحبة للّه تعالى ، لأن المحبّ مجتمع الهم بأمر محبوبه لا مراد له إلا ما أراد ، فعلى العبد أن يعمل لربه عزّ وجل لأجل جلاله وعظمته وما هو عليه من محامد صفاته التي لا يشارك فيها ، فإن خالف هذا أو عمل على طلب حظّه لم يقم بحق صفات مولاه ، وكان ذلك نتيجة جهله وغفلته وعدم حبّه لربه ومعرفته . قال سهل بن عبد اللّه التستري ، رضي اللّه عنه : « ما طلعت شمس ولا غربت على أحد على وجه الأرض ألا وهم جهّال باللّه تعالى ، إلا من يؤثر اللّه تعالى على نفسه وروحه ودنياه وآخرته » ، وفي أخبار دواد عليه السلام : أن اللّه تعالى أوحى إليه إن أود الأودّاء إليّ من عبدني لغير نوال ، لكي يعطى الربوبية حقها . وفيما نقل وهب بن منبّه من الزبور « 2 » : ومن أظلم ممن عبدني لجنّة أو لنار ، لو لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا لأن أطاع ؟ ! أو كما قال عزّ وجل .

--> ( 1 ) الحاذقين : ( ج ) حاذق : الماهر بالعمل . ( 2 ) الزبور : الكتاب ( ج ) زبر ، وغلب على صحف النبي داود عليه السلام .