محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
124
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الذل والهوان ، حكى بعضهم أنه قال : رأيت رجلا في الطواف وبين يديه « شاكرية » يطردون الناس ، فبعد ذلك بمدة رأيت إنسانا يتكفف الناس على الجسر ويسأل شيئا ، قال : فنظرت إليه وشبهته بذلك الرجل ، فقال : لأي شيء تنظر ؟ فقلت : أشبهك برجل رأيته في الطواف من شأنه كذا . . . وكذا فقال : أنا ذلك الرجل : تكبرت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني اللّه في موضع يترفّع فيه الناس ! ! قال في « التنوير » : فإن اعتززت باللّه دام عزّك ، وإن اعتززت بغيره فلا بقاء لمن أنت به معزّ . قال وأنشدنا بعض الفضلاء لنفسه : اجعل بربّك شأن عزّ * ك يستقرّ ويثبت فإن اعتززت بمن يمو * ت فإنّ عزّك ميّت قال : ودخل إنسان على بعض العارفين وهو يبكي ، فقال : ما شأنك ؟ قال : مات أستأذى ! ! فقال له ذلك العارف : ولم جعلت أستاذك من يموت ! ! ويقال ذلك : إذا اعتززت بغير اللّه تعالى فقدته ، واستندت إلى غيره فعدمته ( وانظر إلى الهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في أليم نسفا إنما إلهكم اللّه الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ) . الطيّ الحقيقي أن تطوى مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك . طيّ مسافة الدنيا إنما يتصوّر من العبد إذا أشرق نور اليقين في قلبه فحينئذ تنعدم الدنيا في نظره وتنطوي في اعتباره ، ويرى الآخرة حاضرة لديه موجودة عنده ، بل يراها أقرب إليه منه ، إذ ذاته فانية منطوية بهذا الاعتبار ، فمن كانت هذه شاهدته لا يتصور منه حبّ الغائب الفاني وهو الدنيا ، وإستبداله بالحاضر الباقي وهو الآخرة ، ولذلك كان أصل الرغبة في الدنيا وإيثارها على الآخرة ضعف اليقين ، فمن لم يشرق في قلبه نور اليقين لم يشاهد الملك الكبير ، ومن لم يشاهده أحب الدنيا ، وهي لا شيء ، فلم تكن قيمته عند اللّه تعالى شيئا ، فهذا هو الطيّ الحقيقي لمسافة الدنيا الذي يكرم الحقّ به أولياءه وبه تتحقق عبوديتهم لربّهم عزّ وجل ، لا طيّ مسافة الأرض الذي ربما يكون استدراجا ومكرا ، ولا طيّ الليالي والأيام بالوصال للصيام وترك الشراب والطعام إذا لم يتمحض طاعة وبرّا . وسيأتي من كلام المؤلف - رحمه اللّه تعالى : « لو أشرق نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها ، ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها » . العطاء من الخلق حرمان والمنع من اللّه إحسان . عطية الخالق لك حرمان على التحقيق ؛ لما فيه رؤيتك لغير اللّه ، ووقوفك مع حظوظك وشهواتك .