محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
120
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
يمضي ذلك الوقت ؛ لأنه لو تكلّف نفيه ، أو استقبل الوقت قبل هجومه عليه باختياره زاد في قبضه ، ولعله يعدّ ذلك منه سوء أدب ، وإذا استسلم لحكم الوقت فعن قريب يزول القبض ؛ فإن اللّه سبحانه قال : وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ [ البقرة : 245 ] . وقد يكون بسط يرد بغتة ، ويصادف صاحبه فلتة لا يعرف له سببا يهزّ صاحبه ويستفزّه ، فسبيل صاحبه : السكون ومراعاة الأدب ؛ فإن في هذا الوقت له خطر عظيم فليحذر صاحبه مكرا خفيا ، كما قال بعضهم : « فتح عليّ باب من البسط فزللت زلّة فحجبت عن مقامي » . انتهى كلام الإمام أبي القاسم . وقد رأيت كلاما مبسوطا مستوفى في آداب القبض والبسط لسيدي أبي الحسن الشاذلي ، رضي اللّه تعالى عنه ، فأحببت أن أذكره هاهنا ؛ لتتم به الفائدة التي تعرّض لها المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، وإن كان كلام الشيخ أبي الحسن في ذلك أعم مما هو عند غيره من أئمة الصوفية ، قال رضي اللّه عنه : « القبض والبسط قلّما يخلو العبد منهما ، وهما يتعاقبان كتعاقب الليل والنهار ، والحق سبحانه وتعالى يرتضي منك العبودية فيهما ؛ فمن كان وقته القبض فلا يخلو من أن يعلم سببه ، أو لا يعلم . وأسباب القبض ثلاث : ذنب أحدثته ، أو دنيا ذهبت عنك أو نقصت لك ، أو ظالم يؤذيك في نفسك أو في عرضك ، أو ينسبك لغير دين أو غير ذلك . فإذا ورد عليك القبض من أحد هذه الأسباب ، فالعبودية تقتضي أن ترجع إلى العلم مستعملا له كما أمرك اللّه تعالى ، أما في الذنب فبالتوبة والإنابة وطلب الإقالة . وأما فيما ذهب عنك من الدنيا أو نقص فبالتسليم والرضا والاحتساب . وأما فيما يؤذيك به ظالم فبالصبر والاحتمال . واحذر أن تظلم نفسك فيجتمع عليك ظلمان : ظلم غيرك لك ، وظلمك لنفسك . فإن فعلت ما التزمت به من الصبر والاحتمال أثابك سعة الصدر حتى تعفو وتصفح ، وربما أثابك من نور الرضا ما ترحم به من ظلمك فتدعو له فتجاب فيه دعوتك ، وما أحسن ذلك إذا رحم اللّه بك من ظلمك ؛ فتلك درجات الصدّيقين الرحماء ، وتوكل على اللّه إن اللّه يحب المتوكّلين . وأمّا إذا ورد عليك القبض ولم تعلم له سببا فالوقت وقتان : ليل ونهار ، فالقبض أشبه شيء بالليل ، والبسط أشبه بالنهار ، فإذا ورد عليك القبض بغير سبب تعلمه ، فالواجب عليك السكون ، والسكون عن ثلاثة أشياء : عن الأقوال ، والحركات ، والإرادات ؛ فإن فعلت ذلك فعن قريب يذهب عنك الليل بطلوع شمس نهارك أو ببدوّ