محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
106
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
معاصي اللّه عزّ وجل ، فإن قارف شيئا من ذلك المريد فهو داء عضال في حقّه فقد قالوا : « زلّة بعد الإرادة أقبح من سبعين زلّة قبل الإرادة » وفي المثل « من عرف بالخيانة لا يعتمد عليه في الأمانة » . وقال بعض الأنبياء في مناجاته لرّبه « لو عفوت عن فلان ذنوبه بعد عظيم نعمتك ، فأوحى اللّه إليه : ليس الذنب في القرب كالذنب في البعد » . وسئل بعضهم : « هل يجد العاصي حلاوة الطاعة ؟ فقال : لا ، ولا من همّ بالمعصية » . ومن عظيم سوء أدب المريد أن يميل إلى أهل الدنيا ، وأن يتقرّب منهم ، أو أن يصاحبهم . وقال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « ومن شأن المريد التباعد عن أبناء الدنيا ، فإنّ صحبتهم سم مجرّب ، لأنهم ينتفعون به ، وهو ينتقص بهم ، قال اللّه تعالى : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [ الكهف : 28 ] . وقد تقدّم من كلام المؤلف ، رحمه اللّه ( لا تصحب من لا ينهضك حاله ) ، ومن ذلك أيضا معاشرته للأحداث والشبان ، وقبول إرفاق النسوان ، فإن تعرّض لاستجلاب ذلك منهن ، فهو أشدّ ، قال يوسف بن الحسين الرازي رضي اللّه تعالى عنه : « رأيت آفات الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد ، ورفق النسوان » . قال الإمام أبو القاسم القشيري : « ومن أصعب الآفات في هذه الطريق : صحبة الأحداث ، ومن ابتلاه اللّه بشيء من ذلك فبإجماع من الشيوخ أن ذلك عبد أهانه اللّه عزّ وجل ، وخذله ، بل عن نفسه شغله ، ولو بألف ألف كرامة أهّله » . . . ثم قال بعد كلام كثير : « فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخالطتهم ، فإن اليسير منه فتح باب الخذلان وبدء حال الهجران ، ونعوذ باللّه من قضاء السوء » . وآداب المريد كثيرة ، وإنما نبهنا هاهنا على بعض ما يعظم فيه الخطر والضرر ممّا حذّر منه أئمتنا ، رضي اللّه عنهم ، وبالغوا في التوصية به والنهي عنه ، وجميع ذلك محتمل لأن يكون مراد المؤلف ، رحمه اللّه تعالى في قوله : « من جهل المريد أن يسئ الأدب » فرأينا أن لا يخلو هذا الموضع من هذا التنبيه ، لأن ذلك يقع للمريدين كثيرا ، واللّه وليّ التوفيق . إذا رأيت عبدا أقامه اللّه تعالى بوجود الأوراد وأدامه عليها مع طول الإمداد فلا تستحقرن ما منحه مولاه لأنك لم تر عليه سيما العارفين ، ولا بهجة المحبين ، فلو لا وارد ما كان ورد .