محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
98
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
كما قال أبو عثمان ، رضي اللّه تعالى عنه : « لا يرى أحد عيب نفسه وهو يستحسن من نفسه شيئا ، وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال » وقال أبو عبد اللّه السجزي « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه ، « من استحسن شيئا من أحواله في حال إرادته فسدت عليه إرادته إلا أن يرجع إلى ابتدائه ويروّض نفسه ثانيا » . وقال أبو عبد الرحمن السلمي ، رضي اللّه تعالى عنه : « سمعت جدّي يقول : « آفة العبد رضاه عن نفسه بما هو فيه » . فإن استشعر المريد من نفسه شيئا مما ذكرناه فليبادر إلى قطع مواده واستئصال « 2 » عروقه من قبل أن يستحكم ذلك فيه ويرسخ فيه ، فبدايات الأمور هي التي ينبغي أن تراعى كثيرا . ومن أنواع سوء أدب المريد المفضي إلى عطبه نزوله عن مقتضيات الحقيقة إلى رخص الشريعة ؛ فقد عدّوا هذا من الجنايات العظيمة الموجبة لانحطاط الرتبة والبعد عن محل القربة ؛ ولهذا قالوا : « إذا رأيت المريد انحط عن رتبة الحقيقة إلى رخص الشريعة فاعلم أنه قد نقض عهده مع اللّه وفسخ عقده بينه وبين اللّه » . وقال ابن خفيف ، رضي اللّه تعالى عنه : « الإرادة استدامة الكدّ وترك الراحة وليس شيء أضرّ على المريدين من مسامحة النفس في قبول الرخص والتأويلات » . وقال يوسف بن الحسين ، رضي اللّه عنه : « إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص فاعلم أنه لا يجيء منه شيء » . وقال أبو إسحاق إبراهيم بن شيبان : « من أراد أن يتعطل ويتبطل فليلزم الرخص » . ويعني بالرخصة هاهنا ، ما كان مضادّا لحال المريد من تناول الشهوات واللذات والميل إلى المألوفات والمعتادات ، والركون إلى الدعة والراحات ، وارتكاب الشبهات والتأويلات ، فإن حال المريد يقتضي مباينته لهذا كلّه ، وإن كان بعض ذلك مباحا في رخص الشرع لعامة الناس .
--> ( 1 ) محمد بن كرام بن عراق بن حزابة ( توفي سنة 255 ه - 869 م ) أبو عبد اللّه السجزي إمام الكرامية ، من فرق الابتداع في الإسلام ، ولد ابن كرام في سجستان وجاور بمكة خمس سنين ، وورد نيسابور ، فحبسه طاهر بن عبد اللّه ، ثم انصرف إلى الشام وعاد إلى نيسابور فحبسه محمد بن طاهر وخرج منها إلى المقدس فمات فيها . ( الأعلام 7 / 14 ، ولسان الميزان 5 / 353 ) . ( 2 ) استأصل الشيء : قلعة من أصله .