عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

83

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

أعينهم ، وسقوها بماء التوبة ، فأثمرت ندما وحزنا ، فجنّوا من غير جنون ، وتبلدوا من غير عى ولابكم ، وإنهم لهم البلغاء الفصحاء العارفون باللّه تعالى وبرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم شربوا بكأس الصفاء ، فورثوا الصبر على طول البلاء ، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت ، وجالت فكرهم بين سرايا حجب الجبروت ، واستظلوا تحت أوراق الندم ، وقرءوا صحيفة الخطايا ، فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصولوا إلى علو الزهد بسلم الورع ، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا ، واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة ، وسرحت أرواحهم في العلى حتى أناخوا في رياض النعيم ، وخاضوا في بحر الحياة ، وردموا خنادق الجزع ، وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم ، واستقوا من غدير الحكمة ، وركبوا في سفينة العطية ، وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة حتى وصلوا إلى رياض الراحة ومعدن العز والكرامة ، وقال رضي اللّه عنه : اللهم اجعلني من الذين تاهت أرواحهم في الملكوت ، وكشف لهم حجاب الجبروت ، فخاضوا في بحر اليقين ، وتنزهوا في ظهر رياض المتقين ، وركبوا في سفينة التوكل ، وأقلعوا بشراع التوسل ، وساروا بريح المحبة في جداول قرب العزة ، وحطوا بشاطىء الإخلاص ، فنبذوا الخطايا ، وحملوا الطاعات برحمتك يا أرحم الراحمين ، وأنشد بعضهم : ركب المحب إلى الحبيب سفينة * تجرى من الخطرات في أمواج في سرّ سرّ السرّ سرّا أقلعت * في لج بحر زاخر عجاج يا حسنها تجرى به متفردا * بعلومه في جنح ليل داج فالقلب مشكاة وفيه زجاجة * قد علقت بسلاسل المنهاج متوقد بالنور من زيتونة * تسقى سراجا فاق كل سراج * وفي شئ من هذه المعاني قلت : لما جاءتهم عناية الفضل تركوا الفضول ، وسافروا إلى منازل الوصول ، وركب السادات على خيل السعادات ، واستعانوا في سفرهم على سلوك الطريق بزاد التقوى المعجون بماء التوفيق ، وراضوا خيلهم في رياض الرياضة ، وضمروها وألجموها بلجام منع الالتفات إلى غير مولاها ، وزجروها وضربوها بسوط الخوف ، وحركوها بأعمل أعمال الشوق ،