عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
68
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
قال ذو النون فتبعت الصوت فإذا بفتى حسن الوجه حسن الصوت ، وقد ذهبت تلك المحاسن وبقيت رسومها ، نحيل قد اصفر واحترق ، وهو يشبه الوله الحيران ، فسلمت عليه ، فردّ على السلام وبقي شاخصا يقول : أعميت عيني عن الدنيا وزينتها * فأنت والروح منى غير مفترق إذا ذكرتك وافى مقلتى أرق * من أول الليل حتى مطلع الفلق وما تطابقت الأحداق عن سنة * إلا رأيتك بين الجفن والحدق ثم قال : يا ذا النون مالك وطلب المجانين قلت : أو مجنون أنت ؟ قال قد سمعت به . قلت مسئلة ، قال سل ، قلت أخبرني ما الذي حبب إليك الانفراد وقطعك عن المؤانسين وهيمك في الأودية والجبال ؟ فقال حبى له هيمنى وشوقى إليه هيجنى ، ووجدى به أفردنى ، ثم قال : يا ذا النون أعجبك كلام المجانين ؟ قلت إي واللّه وأشجانى ، ثم غاب عنى فلا أدرى أين ذهب رضي اللّه عنه . ( الحكاية الحادية والثلاثون : عن ذي النون المصري أيضا رضي اللّه عنه ) قال : بلغني أن بجبل المقطم جارية متعبدة فأحببت لقاءها ، فخرجت إلى المقطم أطلبها فلم أجدها ، فلقيت جماعة من المتعبدين فسألتهم عنها ، فقالوا أتترك العقلاء وتسأل عن المجانين ؟ فقلت دلوني عليها وإن كانت مجنونة ، فقالوا هي في الوادي الفلاني ، فذهبت إلى الوادي فلما أشرفت عليه سمعت صوتا حزينا وهو يقول : يا ذا الذي أنس الفؤاد بذكره * أنت الذي ما إن سواك أريد قال : فاتبعت الصوت فإذا بجارية جالسة على صخرة عظيمة ، فسلمت عليها ، فردّت علىّ السلام وقالت : يا ذا النون مالك وللمجانين تطلبهم ؟ فقلت لها وأنت مجنونة ؟ فقالت لو لم أكن مجنونة لما نودي علىّ بالجنون ، فقلت لها ما الذي جننك ؟ قالت يا ذا النون ، حبه جننى ، وشوقه هيمنى ، ووجده أقلقني ، لأن الحبّ في القلب والشوق في الفؤاد والوجد في السر ، فقلت يا جارية ، الفؤاد غير القلب ؟ فقالت نعم ، الفؤاد نور القلب ، والسرّ نور الفؤاد ؛ فالقلب يحبّ ، والفؤاد يشتاق ، والسرّ يجد ، قلت وما يجد ؟ قالت يجد الحقّ ، قلت وكيف