عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
435
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
أراك وبي من غيبتي لك وحشة * فتؤنسنى باللطف منك وبالعطف وتحيى محبا أنت في الحب حتفه * وذا عجب كون الحياة مع الحتف قلت : وما أنكره المذكور رحمه اللّه تعالى في هذه الحكاية وأن هذا الذي فعله أبو حمزة لا يجوز ليس بصحيح ، لأن أبا حمزة المذكور صدر منه هذا وقد منح يقينا كاملا وقلبا شاهدا وحالا عاليا وحياء زاجرا له وحاجزا عليه أن يلتفت إلى غير مولاه أو يرى معه سواه ، كما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضى اللّه عنه : إنا لا نرى مع الحقّ أحدا ، إن كان ولا بد فكالهباء في الهواء إن فتشته لم تجده شيئا . * قلت : ولو حصل للمنكر عليهم بعض ما حصل لهم ما أنكر عليهم ، والعجب من المنكر المذكور في إنكار مثل هذا مع أنه يعتقد القوم ويطرر كلامه بكلامهم وحكايتهم وكراماتهم ، وكيف ينكر مثل هذه الحكاية على من صار فانيا عما سوى الحقّ صاحب قلب مشاهد ، لا يرى في الملك والملكوت إلا من هو أقرب إليه من نفسين ، كاشف الضر الإله الواحد ، والعجب كل العجب أن هذا الذي أنكره له شاهد في الشرع أي شاهد ، وذلك ما جاء أن إبراهيم الخليل عليه السّلام لما ألقى في النار عرض له جبريل عليه السّلام في الهواء بأمر اللّه تعالى له ألك حاجة ؟ فقال أما إليك فلا ، قال : فاسأل ربك ، فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي ، وقال حسبي اللّه ونعم الوكيل ، فهل كان هذا من إبراهيم عليه السّلام إلا كمال يقين ومقام رفيع مكين . وأيضا فقد ذكر العلماء رضى اللّه تعالى عنهم أن الناس في التوكل على ثلاثة أقسام : القسم الأول قوم سلموا نفوسهم للّه فلم يجلبوا لها نفعا ولا دفعوا عنها من الضرّ دفعا ، وقال أبو محمد سهل بن عبد اللّه رضى اللّه تعالى عنه : أول مقام في التوكل أن يكون العبد بين يدي اللّه سبحانه كالميت بين يدي الغاسل ، يقلبه كيف شاء ، ولا يكون له حركة ولا تدبير .