عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
415
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
رأيت منصور بن عمار الواعظ رضي اللّه عنه في المنام ، فقلت له ما فعل اللّه تعالى بك ؟ فقال لي قال ربى جل جلاله وتقدست أسماؤه : يا منصور بن عمار فقلت له نعم يا ربّ ، فقال أنت الذي كنت تزهد الناس في الدنيا وترغبهم في الآخرة ؟ قلت قد كان ذلك يا ربّ ، ولكني ما جلست مجلسا إلا وبدأت بالثناء عليك ، وثنيت بالصلاة على نبيك محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وثلثت بالنصيحة لعبادك ، فقال صدقت ضعوا له كرسيا يمجدنى في سمائي بين ملائكتي كما كان يمجدنى في أرضى بين عبادي ، رضى اللّه تعالى عنه . قلت هكذا هو في الأصل الذي نقلت منه تزهد الناس في الدنيا وترغبهم في الآخرة ، وقد كنت رأيته في كتاب آخر تزهد الناس في الدنيا وترغب أنت فيها ، وهذا هو المطابق لسياق هذا الكلام ، لأنه مشعر بنوع ملام ، فاستدركه بما ذكر فيه من الأشياء المحمودة المقام رضي اللّه عنه . ( الحكاية الرابعة والثمانون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) حكى أنه أمسك الغيث عن بغداد حتى كاد أهلها يهلكون ، فاغتسلوا وتطهروا وخرجوا إلى الصحراء يسألون اللّه عزّ وجلّ أن يسقيهم غيثه يوما بعد يوم فلم يسقوا ، وكان ذلك في خلافة هارون الرشيد رحمه اللّه تعالى ، فبينما هم كذلك يلوذون ويتوسلون إذا برجل قد أقبل من صدر البرية أشعث أغبر ذي طمرين ، ومعه ثلاث بنات عذارى كأحسن البنات ، ووقف في أطراف الناس وسلم عليهم ، فردوا عليه السلام ، فقال يا قوم ما لكم وقوفا مجتمعين ؟ فقالوا يا شيخ إنا دعونا اللّه عزّ وجلّ أن يسقينا غيثه فلم يسقنا ، فقال يا قوم أهو غائب عنكم في المدينة حتى خرجتم إلى الصحراء ، أليس هو سبحانه وتعالى في كل مكان موجودا ، أما قال تبارك وتعالى في محكم تنزيله ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) فبلغ هارون الرشيد خبره ، فقال هذا الكلام رجل بينه وبين مولاه سريرة ، ثم قال ائتوني به ؛ فلما حضر بين يديه وتسالما ، فصافحه هارون وأجلسه بين يديه ، ثم قال له يا شيخ ادع اللّه تعالى أن يسقينا عسى أن يكون لك عنده جاه ، فتبسم الشيخ وقال أتريدون أن أدعو لكم إلهي وسيدي ومولاي ؟ فقالوا نعم ، فقال توبوا بنا جميعا إلى اللّه عزّ وجل ، فنودي في الناس بالتوبة ، فتابوا وأنابوا ، ثم تقدم الشيخ فصلى ركعتين خفيفتين ، فلما سلم أخذ بناته عن يساره وعن يمينه وبسط يديه وأسبل دمعته ودعا ، فما استتم الدعاء إلا