عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
411
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
فبله بالماء بملح جريش وأنا أنظر إليه إلى أن فرغ من أكله ، ثم شرب شيئا من الماء ، وحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ونام في فناء القصر ، فألهمني اللّه سبحانه الفكر فيه ، فقلت لبعض مماليكي إذا قام ذلك الفقير فائتني به ، فلما انتبه من نومه ، قال له الغلام : يا فقير إن صاحب هذا القصر يريد أن يكلمك ، فقال بسم اللّه وباللّه توكلت على اللّه ، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العلىّ العظيم وقام معه ودخل علىّ ، فلما نظر إلىّ سلم علىّ ، فرددت عليه السلام وأمرته بالجلوس فجلس ، فلما اطمأن قلت له : يا فقير أكلت وأنت جائع فشبعت ؟ قال نعم ، قلت وشربت الماء على شهوة فرويت ؟ قال : نعم ، قلت ثم نمت طيبا بلا هم ولا غمّ فاسترحت ؟ قال نعم فقلت في نفسي وأنا أعاتبها يا نفس ما أصنع بالدنيا والنفس تقنع بما رأيت وسمعت ، فعقدت التوبة في تلك الساعة مع اللّه تعالى فلما انصرم النهار وأقبل الليل لبست مسحا من الشعر وقلنسوة من الصوف وخرجت حافيا سائحا إلى اللّه تعالى ، فلحقني رجل حسن الوجه والثياب طيب الرائحة فتقدمت إليه وصافحته وسلمت عليه ، فرد علىّ السلام وقال لي يا إبراهيم أين تريد ؟ فقلت هربت منه إليه ، فقال لي أنت جائع ؟ قلت نعم ، فقام الشيخ وصلى ركعتين خفيفتين وقال لي قم فصل كما صليت ، ففعلت ذلك ، والتفتّ فإذا عن يمينه طعام موضوع وماء بارد ، فقال يا ابن أدهم تقدم وكل من فضل اللّه تعالى واشكر ربك على ذلك ، فتقدمت وأكلت من الطعام كفايتى وهو باق على حاله ، وشربت من ذلك الماء وحمدت اللّه تبارك وتعالى ، فقال لي الشيخ يا ابن أدهم اعقل وافهم ولا تستعجل في أمورك فإن العجلة من الشيطان ، واعلم أن اللّه تعالى إذا أراد بالعبد خيرا اصطفاه لنفسه وجعل في قلبه سراجا من نور قدسه يفرّق به بين الحقّ والباطل ، ويبصر به عيوب نفسه ، وإني أريد أن أعلمك اسم اللّه الأعظم ، فإذا أنت جعت أو عطشت فادع اللّه تعالى به فإنه سيشبعك ويرويك . يا ابن أدهم إذا جالست الأخيار والفقراء فكن لهم أرضا يطئونك ، ولا تغضبهم فإن اللّه عزّ وجلّ يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم ، قال ثم علمني الاسم الشريف المنيف ، ثم قال استودعتك اللّه الحىّ القيوم الذي لا يموت ، ثم حجب عنى ، فأخذت الطريق فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة مليح البزة ، فسلمت عليه ، فردّ علىّ السلام وقال :