عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

403

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

سيدي أحمد معهم حتى وصل إلى القرية المعروفة ببذرية ، بالباء الموحدة والذال المعجمة والراء والياء المثناة من تحت ، وقت صلاة الصبح ، فرآه فقير ، فصاح واستغاث ، فاجتمع الفقراء حوله وأكثروا الضجيج ، فلما علم أصحاب السفينة أنه سيدي أحمد انزعجوا مما وقع منهم ، وعظم عليهم ، وجاءوا إليه ووقفوا بين يديه معتذرين مما جرى لهم ، فقال لهم : أي سادة وحياتكم ما كان إلا الخير ، قضينا لكم حاجة وكسبنا الحسنة وما ضرّ نفسي ، وأنا ما أزال جالسا في الرواق ما أعمل شيئا ، وأنتم تسخرون ضعيفا أو من له صنعة وتبطلونهم من صنائعهم وتأثمون فيهم ، فإذا عرض لكم حاجة بعد فأعلمونى حتى أساعدكم إلى أن أتعب فأرجع ، فقالوا نحن نستغفر اللّه مما جرى ، فتوّبنا وارض عنا ، فتوّبهم وقال لهم رضى اللّه عنكم وعنا ، ثم دعا لهم وودعهم فقال له الجندي الذي سخره : أي سيدي هؤلاء القوم رضيت عنهم ، فالبعيد الشقي كيف يكون حاله ؟ فقال له اللّه تعالى يرضى عنك ، فقال له : أي سيدي توّبنى ، فأخذ العهد عليه وتوّبه وقال له : ربنا يشهد علينا أننا إخوة دنيا وأخرى ، ثم صعدوا إلى واسط ، فترك الجندي خدمة أبناء الدنيا والملوك ورجع إلى سيدي أحمد فأخبره بترك الخدمة ، ولازم طاعة اللّه سبحانه وتعالى ، وصار من خيار الناس رحمة اللّه تعالى عليه ورضوانه . ( الحكاية الثانية والسبعون بعد الأربع مئة : عن بعض الأخيار ) قال : سمعت بالشيخ أبى الفضل بن الجوهري المصري قدّس اللّه روحه ، فخرجت من بلدي وعقدت النية لزيارته فدخلت مصر يوم جمعة فحضرت مجلس وعظه مع جملة الناس ، فإذا بشيخ بهىّ المنظر مليح المخطر عليه رياش وأثواب رفيعة وعمامة شرب وطيلسان كذلك ، وله همة عالية وقباء واسع ، أو قال ودنيا واسعة ، فقلت في نفسي هذا ابن الجوهري الذي قيل فيه ما قيل ، وسارت الركبان بصلاحه ودينه وورعه وكثرة صفاته وقوّة إيمانه وصفاء يقينه ، وهو على هذا الزىّ واللباس ، فبقيت متعجبا من ذلك ومضيت وتركته على تلك الحال ، فبينما أنا سائر في بعض أزقة مصر وشوارعها إذا بامرأة تصيح بأعلى صوتها وتنوح وتبكى وتقول : وا مصيبتاه ، وا بنتاه ، وا فضيحتاه ، فتقدمت إليها رحمة لها مما تعمل بنفسها ، وقلت مالك أيتها المرأة وما قصتك ؟ فقالت لي يا سيدي أنا امرأة