عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
368
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
طرفة عين ، ثم أنشأ يقول : على بعدك لا يصير من عادته القرب * ولا يقوى على قطعك من تيمه الحب وحبك في قلبي وفي كبدي إذا * لم ترك العين فقد أبصرك القلب رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به وبجميع الصالحين * وقال ذو النون المصري رضى اللّه تعالى عنه : رأيت أسود يطوف حول البيت وهو يقول : أنت أنت ولا يديد على ذلك ، فقلت يا عبد اللّه أي شئ عنيت به ؟ فأنشأ يقول : بين المحبين سرّ ليس يفشيه * خط ولا قر عنه فيحكيه نار يقابلها أنس بمازجه * نور يخبره عن بعض ما فيه شوقى إليه ولا أبغى به بدلا * هذى سرائر كتمان تناجيه * وقال بعض العارفين : مساكين أهل الغفلة يشتغلون بكثرة الأعمال ويعظمونها ويفتخرون بها ، وأما أهل المعرفة فلو عملوا عمل أهل السماوات والأرض من الأزل إلى الأبد لكان ذلك أصغر في أعينهم في جنب عظمة اللّه تعالى من خردلة بين السماء والأرض . ( الحكاية الخامسة والثلاثون بعد الأربع مئة : عن أبي سعيد الخراز رضى اللّه تعالى عنه ) قال : كنت في البادية فنالنى جوع شديد ، فطالبتنى نفسي بأن أسأل اللّه طعاما ، فقلت ما هذا من فعل المتوكلين أهل الهمم ، فطالبتنى نفسي بأن أسأل اللّه سبحانه تعالى اصطبارا ، فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يقول : ويزعم أنه منا قريب * وإنا لا نضيع من أتانا فهم أبو سعيد سؤل صبر * كأنا لا نراه ولا يرانا * قيل : رؤية القلب بمشاهدة الإيقان وإن غاب عن العينين العيان ، وفي هذا المعنى قلت نائبا عن لسان الحال : يا غائبا غاب وهو في قلبي أشاهده * ما غاب من لم يزل القلب مشهودا إن فات عينىّ من رؤياك حظهما * فالقلب قد نال حظا منك محمودا