عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
348
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
واحفظ لسانك عما لا ترجو فيه ثوابا كما تحفظ نفسك من سلعة لا ترجو فيها ربحا واترك أربعة لأربعة ، ثم لا تبالى متى مت اترك الشهوات إلى الجنة والنوم إلى القبر ، والراحة إلى الصراط ، والفخر إلى الميزان ، ثم قام ومشى وأقمنا يومنا ذلك ؛ فلما كان الليل جاء الرجل ومعه تلك المائدة وعليها مثل ذلك الطعام ، فأكلنا وأقمنا عندهم ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع ودعنا الشيخ وقال في آخر كلامه لنا : يا فتيان استروا المكان يستركم اللّه في الدنيا والآخرة ، فانصرفنا من عندهم ، وسرنا في واد على جانبه أشجار مثمرة من كل لون من الثمر ، فرأينا من بعيد على شاطىء النهر كريكيا قائما ، فقربنا منه فإذا هو مطموس العينين ، فبقينا نتعجب من أمره ، فبينما نحن قيام إذ أقبلت نحلة سوداء خلفها نحل كثير ، فلما وصلت إلى الكركي دبت ، ففتح منقاره ، فوضعت النحلة فيه عسلا ، ولم يزل النحل يدخلن واحدة بعد واحدة ، ويصببن العسل في فمه ولم يبق منهن شئ ، فامتلأ فمه من العسل ، فأطبق عليه منقاره فسقط منه شئ من العسل ، فأخذته وأكلته وانصرفنا رضي اللّه تعالى عنه وعن جميع الصالحين ونفعنا بهم ، قلت : ذكر الشيخ المذكور رضي اللّه تعالى عنه أن الشيطان نعوذ باللّه منه ، لا يزال يأخذ الحصون المذكورة حتى يرد العبد إلى الكفر ، فيخلد في النار ، نعوذ باللّه من ذلك ، وما قاله في نهاية الحسن والتحقيق ولكن قد يستولى الشيطان على بعض الحصون المذكورة دون بعض ، فيؤدى العبد إلى الفسق دون الكفر فيستحق النار من غير تخليد ، وقد لا يؤديه إلى الفسق ، ولكن يرده إلى أضعف الإيمان فلا يستحق النار ، ولكن يستحق النزول عن مقام أهل الإيمان الكامل ، وفي هذا التفاوت بحسب تفاوت الحصون المذكورة ، فليس أخذ حصني المعرفة والإيمان كأخذ بقية الحصون المذكورة ، وبقية الحصون تتفاوت أيضا ، فليس أخذ حصني الصدق والإخلاص كأخذ حصني الأمر والنهى ، وكذلك سائر الحصون ، والكلام فيها يطول ، ولكن مهما بقي حصن الإيمان وحصن التوكل الكاملين للعبد لم يقدر عليه الشيطان ، لقوله تعالى ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) وهؤلاء هم المتصفون بالعبودية الكاملة لقوله تعالى ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) * ، وهم المؤمنون حقا لقوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ