عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
315
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
( الحكاية الثامنة والستون بعد الثلاث مئة : عن سفيان الثوري رضي اللّه عنه ) قال : قال لي محمد بن واسع رضي اللّه تعالى عنه يوما : هل توافقنى في زيارة رجل من أولياء اللّه عز وجل ؟ قلت له نعم ، فدخل الدار وخرج ومعه كسرة خبز فخرجنا من البصرة ثم انتهينا إلى منزله وهو بعيد من العمران ووقفنا ببابه ، فسمعنا بنيات له يخاصمنه في شأنهن وما هن فيه من رثاثة الحال ، فقال لهن إن الذي خلقكن وشق أفواهكن وخلق لكن أضراسا وبطونا ، أرحم بكن منكن لأنفسكن ، قال فاستأذنا عليه ، فقال من هذا ؟ فقلنا محمد وسفيان ، فخرج إلينا وقال ما الذي جاء بكما ؟ فقال محمد بن واسع : كسرة أتيت بها لتلك البنات ، فقال هاتها جئت بها في وقتها ، فدخلنا وجلسنا معه حتى سمعنا استئذان رجل ، فقال من هذا ؟ قال مالك بن دينار ، فخرج إليه وقال ما الذي جاء بك ؟ فقال أتيت بدرهمين لتلك البنات ، فقال سبقك بها محمد بن واسع ، جاءهن بما يكفيهن اليوم ، قال فخذهما واخبأهما لهن إلى غد ، فقال أتخوفنى يا مالك ، واللّه لا تدخل إلى ، قال سفيان فقال لي محمد ترى مقام هذا الرجل وما هو فيه من رثاثة الحال ، فقلت هذا من الفضلاء ، قال أجل ، قلت من الزهاد ؟ قال أجل ، قلت من العباد ؟ قال أجل ، فلم أذكر له المقامات وهو يقول أجل أجل حتى قال هذا من الفقراء الصابرين رضي اللّه تعالى عنهم ، ونفعنا بهم . ( الحكاية التاسعة والستون بعد الثلاث مئة : عن بعض الصالحين ) قال : رأيت شابا عليه عباءة وبيده ركوة ، فقال لي إني إنسان أقصد الورع فلا آكل إلا ما ألقاه الناس ، فربما أجد قشرة شئ قد سبقني إليها النمل ، فألقيه وأتناول تلك القشرة ، فهل على في ذلك شئ ؟ قال فقلت في نفسي ما بقي على وجه الأرض من يتورع بمثل هذا الورع ، فنظرت فإذا الرجل واقف على أرض من فضة بيضاء وقال لي الغيبة حرام ، وغاب عن بصرى ، قيل : معنى الحكاية أنه لما ترك ما حجب الخلق عن اللّه أكرمه اللّه بنور الإشراق ، أو قال بنور الإشراف حتى نطق عما خطر بقلبه من الإنكار ، ثم أخفاه اللّه تعالى عنه بشؤم الاعتراض ، وهكذا سنة اللّه في أوليائه أن يسترهم عمن لا يبلغ رتبتهم ، ولا يصل إلى منزلتهم ، وقال الشيخ أبو الخير الأقطع رضي اللّه عنه : ما بلغ أحد إلى حالة شريفة ومرتبة عالية إلا بملازمة الموافقة ومعاناة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين وخدمة الفقراء الصادقين ، رضى اللّه تعالى عنهم ، ونفع بهم أجمعين .