عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
313
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
نقدر نخرج عن إرادته ، وقال بعضهم : إذا كان حب الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها ، وإذا سكن حب الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة ، لأن الآخرة كريمة والدنيا لئيمة ، وقال السيد الجليل الإمام النبيل الولي المقرب سعيد بن المسيب رضي اللّه تعالى عنه : إن الدنيا نذلة ، وهي إلى كل نذل أميل ، وأنذل منها من أخرها بغير حقها ، وطلبها بغير وجهها ، ووضعها في غير سبيلها ، وقال إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه ، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله . ( الحكاية الخامسة والستون بعد الثلاث مئة : عن بعض السلف ) قال : كان لقمان عبدا حبشيا لرجل جاء به إلى السوق ليبيعه ، فكان لقمان كلما جاء إنسان يشتريه قال له ما تصنع بي ؟ فإذا قال له أصنع بك كذا وكذا ، قال حاجتي إليك أن لا تشترينى ، حتى جاء رجل ، فقال له لقمان ما تصنع بي ؟ قال أصيرك بوابا على بابى ، قال اشترني ، فاشتراه وجاء به إلى داره ، وكان لمولاه ثلاث بنات يبغين في القرية ، أراد أن يخرج إلى ضيعة له ، فقال له إني قد أدخلت إليهن طعامهن وشرابهن وما يحتجن إليه ، فإذا خرجت فأغلق الباب واقعد من ورائه ولا تفتحه حتى أجىء ؛ فلما خرج فعل ما أمره به مولاه ، فقالت له البنات افتح الباب ، فأبى عليهن ، فشججنه ورجعن ، فغسل الدم وجلس ، فلما قدم سيده لم يخبره ، ثم أراد سيده الخروج أيضا ، وقال له إني قد أدخلت إليهن ما يحتجن إليه ، فلا تفتح الباب ؛ فلما خرج خرجن إلى لقمان وقلن له افتح الباب فأبى ، فشججنه ثانية ورجعت ، فجلس ، فلما أتى مولاه لم يخبره بشئ ، فقالت الكبيرة منهن ما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة اللّه عز وجل منى ؟ واللّه لأتوبن ، فتابت ؛ فقالت الصغرى ما بال هذا العبد الحبشي وهذه الكبرى أولى بطاعة اللّه عز وجل منى واللّه لأتوبن ، فتابت ، فقالت : الوسطى ما بال هذا العبد الحبشي وهاتين الأختين أولى بطاعة اللّه عز وجل منى ، واللّه لأتوبن ، فتابت ، فقال غواة القرية ما بال هذا العبد الحبشي وبنات فلان أولى بطاعة اللّه تعالى منا ؟ واللّه لنتوبنّ ، فتاب الجميع إلى اللّه سبحانه وتعالى ، وصاروا عباد القرية ، رحمهم اللّه تعالى .