عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

296

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

المقابر ، ذات اجتهاد وعبادة ، لم أر قط مثلها في العبادة ، فسألتها أين وطنك ؟ فقالت مالي وطن إلا النار ، أو يعفو العزيز الغفار ؟ فقلت يرحمك اللّه تعالى ، هل من وصية أو فائدة ، قالت اجعل كتاب اللّه تعالى لك مائدة ، وجالس وعده ووعيده ، وشمر عن ساق الجد بالعزائم الحميدة ، ودع ما يتعلق به البطالون من الأمل الكاذب الذي لا تحقيق لهم فيه ، ولا يدرون كيف العواقب فو اللّه لا يرد هذا المنزل إلا المضمرون ، ولا يفوز بالسبق إلا المشمرون ، فخذ يا أخي لنفسك فحمدت اللّه تعالى بمحامد لم أسمع مثلها قط ، وصلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بصلاة لم أسمع مثلها قط ، ودعت بدعاء حسن رضي اللّه تعالى عنها . ( الحكاية الأربعون بعد الثلاث مئة : عن ذي النون أيضا رضي اللّه تعالى عنه ) قال : رأيت ببعض سواحل الشام امرأة ، فقلت لها من أين أقبلت ؟ فقالت : من عند أقوام ( تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ) فقلت أين تريدين ؟ قالت إلى ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) فقلت صفيهم لي ، فأنشأت تقول : قوم همومهم باللّه قد علقت * فما لهم همم تسمو إلى أحد فمطلب القوم مولاهم وسيدهم * يا حسن مطلبهم للواحد الصمد ما إن ينازعهم دنيا ولا شرف * من المطاعم واللذات والولد ولا لباس لثوب فائق أنق * ولا لروح سرور حل في بلد فهم رهائن غدران وأودية * وفي الشوامخ تلقاهم مع العدد رضى اللّه تعالى عنها . ( الحكاية الحادية والأربعون بعد الثلاث مئة : عن ذي النون أيضا رضي اللّه تعالى عنه ) قال : بينما أنا مار على شاطىء البحر إذا بجارية مكشوفة الرأس مسفرة الوجه بلا خمار ، فقلت لها يا جارية استرى وجهك بخمار ، فقالت وما يصنع الخمار بوجه قد علاه الصغار ؟ ثم قالت إليك عنى يا بطال ، فإني شربت البارحة بكأس المحبة ، فبت مسرورة ، فأصبحت اليوم من حب مولاي مخمورة ، فقلت يا جارية أوصينى ، قالت : يا ذا النون عليك بالسكوت ولزوم البيت ، والرضا بالقوت إلى أن تموت ، رضى اللّه تعالى عنها .