عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
29
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا لسعيت إليه وأخذته . وقال أيضا رضي اللّه عنه : ما أخذنا التصوّف من القيل والقال ولكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات ، وكثرة الذكر للّه عزّ وجلّ ، وأداء فروضه وواجباته وسننه ، والاتباع لجميع ما أمر به ، والانتهاء عن جميع ما نهى عنه * وروى أن النجيب ابن النجيب أبا المعالي إمام الحرمين رضي اللّه عنه كان يدرس يوما في المسجد بعد صلاة الصبح ، فمرّ به بعض شيوخ الصوفية ومعه أصحابه من الفقراء ، وقد دعوا إلى بعض المواضع ، فقال إمام الحرمين في نفسه : ما شغل هؤلاء إلا الأكل والشرب والرقص ؛ فلما رجع الشيخ من الدعوة مرّ عليه وقال : يا فقيه : ما تقول فيمن يصلى الصبح وهو جنب ، ويقعد في المسجد ويدرس العلوم ويغتاب الناس ، فذكر إمام الحرمين أنه كان عليه غسل ، ثم حسن اعتقاده بعد ذلك في الصوفية * وروى أن الإمام أحمد رضي اللّه عنه كان مع جلالة قدره يكثر التردد إلى بعض الصوفية العارفين ، فقيل له : أتتردّد لرواية عند هذا الشيخ ؟ فقال : عنده رأس الأمر تقوى اللّه ، أو قال معرفة اللّه * وكذلك لما سعى بالصوفية إلى بعض الخلفاء أمر بضرب رقابهم ؛ فأما الجنيد فتستر بالفقه ، وكان يفتى على مذهب أبي ثور ، وأما الشحام والرقام والنوري فقبض عليهم وبسط النطع لضرب رقابهم ، فتقدم الشيخ العارف باللّه أبو الحسن النوري رضي اللّه عنه ، فقال له السياف : أتدري لماذا تبادر ؟ فقال نعم ، فقال وما يعجلك ؟ فقال أوثر أصحابي بحياة ساعة فتحير السياف وأنهى الأمر إلى الخليفة ، فتعجب الخليفة ومن عنده من ذلك ! وكان القاضي عنده ، فاستأذن الخليفة أن يذهب إليهم ليبحث معهم ويختبر حالهم ، فأذن له الخليفة في ذلك فأتاهم ، وقال : يخرج إلىّ واحد منكم حتى أبحث معه فخرج إليه أبو الحسين النوري ، فألقى عليه القاضي مسائل فقهية ، فالتفت عن يمينه ثم ألتفت عن يساره ثم أطرق ساعة ، ثم أجابه عن الكلّ ، ثم جعل يقول : وبعد ، فإن للّه عبادا إذا قاموا قاموا باللّه ، وإذا نطقوا نطقوا باللّه ، وسرد كلاما كثيرا أبكى القاضي ، ثم سأله القاضي عن التفاته ، فقال سألتني عن المسائل ولا أعلم لها جوابا ، فسألت عنها صاحب اليمين فقال : لا علم لي ، ثم سألت عنها صاحب الشمال فقال لا علم لي ، فسألت قلبي فأخبرني قلبي عن ربى ، فأجبتك بذلك ، فأرسل القاضي