عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
252
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
ينكر على الصوفية سماعهم ، فدخل عليه بعضهم يوما فوجده يدور في بيته ، فقال له يا فقيه ، أراك تدور ، فقال كانت مسئلة أشكلت علىّ ، فاطلعت عليها الآن فملئت بذلك فرحا ولم أتمالك من الطرب ، فقمت ودرت كما رأيت ، فقال له يا فقيه هذا فرحك بمسئلة ، فكيف تنكر على من فرح باللّه تعالى . قلت : كم بين الفرح بالاطلاع على حكم من أحكام اللّه ، والفرح بالاطلاع على تجلى جمال اللّه تعالى وكمال صفاته وامتلاء القلب بمحبته والشوق إلى لقاء ذاته والطرب بذكره الحالي العذب الزلال والغيبة بواردات الأحوال والمنازلة في المقامات العوال ، والشرب من راح المحبة التي فيها قائلهم ، قال : هنيا لأهل الدير كم سكروا بها * وما شربوا منها ولكنهم هموا على نفسه فليبك من ضاع عمره * وليس له منها نصيب ولا سهم وقال الأستاذ أبو القاسم الجنيد رضى اللّه تعالى عنه : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام فقلت : يا رسول اللّه ، ما تقول في السماعات التي نحضرها في الليالي ، وربما تبدو منا الحركات فيها ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : ما من ليلة إلا وأحضر معكم ، ولكن ابدءوا بالقرآن واختموا بالقرآن . قلت : لا يغترّ جاهل بما ذكر عن الشيوخ في السماع ، فيحسب أنه يجوز لكل أحد ، هيهات إنما هو لمن حدا به حادي الشوق إلى مواطن القرب في الحضرة القدسية ، خاليا عن هوى النفس والصفات الدنية ، متصفا بما أنشده أهل الأحوال السنية : ولما حضرنا بالسرور بمجلس * أضاءت لنا من عالم الغيب أنوار وطافت علينا للعوارف خمرة * يطوف بها في حضرة القدس خمار تخامر أرباب العقول بلطفها * فتبدو لنا عند المسرّة أسرار فلما شربناها بأفواه كشفنا * أضاءت لنا منها شموس وأقمار رفعنا حجاب الأنس بالأنس عنوة * وجاءت إلينا بالبشائر أخبار وغبنا بها عنا ونلنا مرادنا * ولم يبق منا بعد ذلك آثار وخاطبنا في سكرنا عند محونا * كريم قدير فائض الجود جبار وكاشفنا حتى رأيناه جهرة * بأبصار فهم لاتواريه أستار