عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
246
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
له يا سيدي إنك تفعل هذا بنفسك ويعود ألمه إليك ؟ فقال ويحك ، لي ظهرت الحقيقة ولست أطيقها ، فأنا أدخل على نفسي الألم لعلى أحس به . فيستتر ذلك عنى ، فلا وجدت الألم ولا ستر ذلك عنى ولا لي به طاقة ، وقال أبو القاسم الجنيد رضي اللّه عنه : كنت أسمع السرى صلّى اللّه عليه وسلم يقول : قد يبلغ العبد إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به ، قال وكان في قلبي من ذلك شئ حتى بان لي الأمر كذلك * قلت : ومما يشهد لصحة ذلك قوله تعالى ( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) جاء في التفسير : أنهن لم يشعرن بتقطيع أيديهن ، وهذا في محبة مخلوق ، فكيف في محبة الخالق جل وعلا ؟ وما ينكر ذلك إلا من لم يذق ذلك ، ولم يصدق بأحوال القوم ، وكذلك يشهد له ما اشتهر عن بعضهم أنه ظهرت برجله الأكلة ، فدخل عليه الحكماء وقالوا : إن لم تقطع رجله مات ، فقالت أمه دعوه حتى يدخل في الصلاة ، فإنه لا يحس بشئ إذا دخل فيها ، فتركوه حتى دخل فيها ثم قطعوا رجله ، ولم يشعر بذلك رضي اللّه عنه ونفعنا به ، وكذلك يشهد له ما اشتهر أن الشيخ أبا حفص النيسابوري الحداد رضي اللّه عنه سمع قارئا يقرأ آية من القرآن ، فورد على قلبه وارد غاب عن إحساسه ، فأدخل يده في النار وأخرج الحديدة المحماة بيده ، فرأى تلميذ له ذلك ، فصاح يا أستاذ ما هذا ؟ ، فنظر أبو حفص إلى ما ظهر عليه ، فترك الحرفة وقام من حانوته رضي اللّه عنه ونفعنا به * قال الشيوخ العارفون رضي اللّه تعالى عنهم الغيبة معناها غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحوال الخلق لاشتغاله بما ورد عليه ، ثم قد يغيب الشخص عن إحساسه بنفسه وغيره * قال أبو سعيد الخراز رضي اللّه عنه : تهت في البادية فكنت أقول : أتيه فلا أدرى من التيه من أنا * سوى ما يقول الناس فىّ وفي جنسي أتيه على حسن البلاد وأنسها * فإن لم أجد شخصا أتيه على نفسي فسمعت هاتفا يهتف بي ويقول : أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده * ويفرح بالتيه الدنىء وبالأنس فلو كنت من أهل الوجود حقيقة * لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي وكنت بلا حال مع اللّه واقفا * تصان عن التذكار للجن والإنس