عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
219
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
تقول لابنة لها صغيرة : قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء ، فقالت يا أماه ، أو ما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم ؟ قالت وما كان من عزمته ؟ قالت إنه أمر مناديه فنادى أن لا يشاب اللبن بالماء ، فقالت امذقيه ، فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادى عمر ، فقالت الصبية واللّه ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلا ، رضى اللّه تعالى عنها * قلت : وهذه البنية المذكورة أعجب عمر رضي اللّه عنه حالها ، فزوجها أحد أولاده ، ومن ذريتها عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ونفعنا به وسلفه وبجميع الأولياء والصالحين آمين . ( الحكاية الثامنة والعشرون بعد المئتين : عن بعضهم ) روى أنه اجتاز بعض الأمراء على باب الشيخ حاتم الأصم رضي اللّه عنه ، فاستسقى ماء ، فلما شرب رمى إليهم شيئا من المال ووافقه أصحابه ، ففرح أهل الدار سوى بنية صغيرة لحاتم ، فإنها بكت ، فقيل لها : ما يبكيك ؟ قالت مخلوق نظر إلينا نظرة فاستغنينا ، فكيف لو نظر إلينا الخالق سبحانه وتعالى ، رضى اللّه تعالى عنها ، ونفعنا بها آمين * وروى أن بنية للشيخ يحيى بن معاذ الرازي رضى اللّه تعالى عنهما طلبت من أبيها شيئا تأكله ، فقال لها اطلبى من ربك ، فقالت واللّه إني لأستحى منه أن أسأله شيئا للأكل ، رضى اللّه تعالى عنها . ( الحكاية التاسعة والعشرون بعد المئتين : عن أبي عبد اللّه الجلاء رضي اللّه عنه ) قال : اشتهت والدتي علىّ يوما من الأيام سمكة ، فمضى والدي إلى السوق وأنا معه ، فاشترى سمكة ووقف ينتظر من يحملها له ، فرأى صبيا وقف بحذائه ، وقال يا عم تريد من يحمل لك ؟ فقال نعم ، فحمل لنا ومشى معنا ، فسمعنا الأذان ، فقال الصبى أذن المؤذن وأنا أحتاج أن أتطهر وأصلى ، فإن رضيت وإلا فاحمل السمكة ، ووضع الصبى السمكة ومر ، فقال أبى فنحن أولى أن نتوكل في السمكة على اللّه تعالى ، فدخلنا المسجد وصلينا ، وصلى الصبى ؛ فلما خرجنا إذا بالسمكة موضوعة في مكانها ، فحملها الصبى ومضى معنا إلى دارنا ، فذكر ذلك والدي لوالدتى ، فقالت قل له يقعد حتى يأكل معنا ، فقال له أنا صائم ، ثم قال فتعود إلينا بالعشى ، فقال : إذا حملت في اليوم مرة فلا أحمل ثانيا ، فأدخل المسجد إلى المساء ، ثم أدخل عليكم فمضى ؛ فلما أمسينا دخل الصبى فأكلنا ، فلما فرغنا دللناه على موضع الطهارة ورأيناه يؤثر الخلوة ،