عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
171
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
ومعه أصحابه ، فوعظت ، فسمعني أقول في وعظى : عجبا لضعيف كيف يعصى قويا ، فتغير لونه وانصرف ؛ فلما كان من الغد جلست في مجلسي ، وإذا به قد أقبل فسلم وصلى ركعتين وقال : يا سرى سمعتك بالأمس تقول : عجبا لضعيف كيف يعصى قويا ، فما معناه ؟ فقلت : لا أقوى من المولى ، ولا أضعف من العبد وهو يعصيه ، فنهض فخرج ، ثم أقبل من الغد وعليه ثوبان أبيضان وليس معه أحد وقال : يا سرى كيف الطريق إلى اللّه تعالى ؟ فقلت : إن أردت العبادة فعليك بصيام النهار وقيام الليل ، وإن أردت اللّه عز وجل فاترك كل شئ سواه تصل إليه ، ولا تسكن إلا المساجد والخراب والمقابر ، فقام وهو يقول : واللّه لا سلكت إلا أصعب الطرق ، وولى خارجا ، فلما كان بعد أيام أقبل إلىّ غلمان كثيرة ، فقالوا ما فعل أحمد بن يزيد الكاتب ؟ فقلت لا أعرفه إلا أن رجلا جاءني من صفته كذا وكذا ، فجرى لي معه كذا وكذا ولا أعلم حاله ، فقالوا باللّه عليك متى عرفت حاله فعرفناه ، ودلنا على داره ، فبقيت سنة لا أعرف له خبرا ، فبينما أنا ذات ليلة بعد العشاء الآخرة جالس في بيتي ، وإذا بطارق يطرق الباب ، فأذنت له بالدخول ، فإذا أنا بالفتى عليه قطعة من كسائى في وسطه ، وأخرى على عاتقه ، وبيده زنبيل فيه نوى ، فقبل بين عيني وقال : يا سرى أعتقك اللّه من النار كما أعتقنى من رق الدنيا ، فنظرت فأومأت إلى صاحبي أن امض إلى أهله فأخبرهم ، فمضى فإذا بزوجته قد جاءت ومعها ولده وغلمانه ، فدخلت وألقت الولد في حجره ، وعليه حلى وحلل وقالت له : يا سيدي أرملتنى وأنت حي ، وأيتمت ولدك وأنت حي ، قال السرى : فنظر إلىّ وقال : يا سرى ما هذا وفاء ، ثم أقبل عليهما وقال : واللّه إنكما لثمرة فؤادي وحبيبة قلبي ، وإن هذا ولدى لأعز الخلق علىّ غير أن هذا سرى رضي اللّه عنه أخبرني أن من أراد رضا اللّه قطع كل ما سواه ، ثم نزع ما على الصبى وقال : ضعي هذا في الأكباد الجائعة والأجساد العارية ، وقطع قطعة من كسائى فلف بها الصبى ، فقالت المرأة : واللّه لا أرى ولدى في هذه الحالة ، وانتزعته منه ، فحين رآها قد اشتغلت به نهض وقال : ضيعتم علىّ ليلتي بيني وبينكم اللّه ، وولى خارجا ، وضجت الدار بالبكاء ، فقالت امرأته ، إن عاد يا سرى أو سمعت له خبرا فأعلمنى ، فقلت إن شاء اللّه تعالى ؛ فلما كان بعد أيام أتتني عجوز فقالت : يا