عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

167

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

ابن حيان رضي اللّه عنه قال : بلغني حديث أويس ، فقدمت الكوفة ، فلم يكن لي هم إلا طلبه حتى سقطت عليه جالسا على شاطىء الفرات نصف النهار يتوضأ ، فعرفته بالنعت الذي نعت لي ، فإذا رجل نحيل شديد الأدمة ، أشعث محلوق الرأس ، مهيب المنظر ، فسلمت عليه ، فرد علىّ السلام ، ونظر إلىّ ومددت يدي إليه لأصافحه ، فأبى أن يصافحني * قلت : وفي انقباض أويس رضي اللّه عنه وما كان فيه من رثاثة الحال والتوحش والانعزال ، وما نسب إليه الجهال من الجنون والاختلال وما كان فيه من التقشف والابتذال وغير ذلك من سائر الأحوال ، أظهر دليل لمن نحا ذلك النحو من الفقراء الصادقين ، ولا مبالاة بإنكار من ينكر عليهم ، ويزعم أن ذلك خلاف السنة ، ولم يدر أن السنة العظمى هي ترك الدنيا ، والإعراض عن الورى ، والإقبال على المولى ، وترك العلائق كلها سوى اللّه عز وجل . قال هرم بن حيان : فقلت رحمك اللّه يا أويس وغفر لك ، كيف أنت ؟ ثم خنقتني العبرة من حبى إياه ورقتى عليه ، لما رأيت من حاله حتى بكى وبكيت ، فقال : وأنت فحياك اللّه يا هرم بن حيان كيف أنا يا أخي ؟ من دلك علىّ ؟ قلت اللّه ، قال لا إله إلا اللّه ( سُبْحانَ رَبِّنا ، إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا ) فقلت : ومن أين عرفت اسمى واسم أبى وما رأيتك قبل اليوم ولا رأيتني ؟ قال نبأني العليم الخبير ، عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك ، إن المؤمنين يعرف بعضهم بعضا ، ويتحابون بروح اللّه وإن لم يلتقوا ، وإن نأت بهم الدار ، وتفرقت بهم المنازل ، قلت حدثني رحمك اللّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : إني لم أدرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولم يكن لي معه صحبة ، بأبى وأمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكني قد رأيت رجالا رأوه ، ولست أحب أن أفتح على نفسي هذا الباب أن أكون محدثا أو قاضيا أو مفتيا ، في نفسي شغل عن الناس ، فقلت : أي أخي اقرأ علىّ آيات من كتاب اللّه تعالى أسمعها منك ، وأوصني بوصية أحفظها عنك ، فإني أحبك في اللّه فأخذ بيدي وقال : أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم ، قال ربى وأحق القول قول ربى ، وأصدق الحديث حديث ربى ، ثم قرأ ( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ، ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ) إلى قوله ( الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) فشهق شهقة وأنا أحسبه قد غشى عليه ، ثم قال : يا ابن حيان مات أبوك حيان ويوشك أن تموت أنت ، فإما إلى الجنة وإما