عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
159
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
( الحكاية السادسة والثلاثون بعد المئة : عن أبي عبد اللّه بن خفيف رضي اللّه عنه ) قال : كنت مدة مديدة أسيح على وجه الأرض للالتقاء بالبدلاء ، فسئمت من السياحة والسفر ، فرجعت إلى بلد إصطخر فارس ، فدخلت دويرة الصوفية ، فرأيت جماعة من المشايخ ، وبين أيديهم مأكول ، وهم تسعة نفر ، منهم الحسن بن أبي سعد وأبو الأزهر بن حيان وجماعة ، فوقفت ساعة فتوضأت ، فلما فرغت وسعوا لي ، فقعدت معهم وتناولت مما كانوا يأكلون ثم تفرقنا ، فرقدت رقدة ، فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام يقول لي : يا ابن خفيف من كنت تطلبهم وترجو مجالستهم هم هؤلاء في هذا البلد وأنت منهم ، فطالبتنى نفسي أن أخبر القوم بما رأيت ، فعلانى منهم وقار وهيبة ، فلم ألبث ساعة من النهار حتى قابلنى الشيخ أبو الحسن بن أبي سعد ، وقال لي : يا أبا عبد اللّه أخبرهم بما رأيت في المنام ، فأخبرتهم ، فتفرقوا في البلدان حين فشا الخبر رضي اللّه تعالى عنهم وعن سائر الصالحين آمين . ( الحكاية السابعة والثلاثون بعد المئة : عن بعضهم ) قال : سافرت شرقا وغربا طمعا أن اكتحل بالأبدال ، نوافيث ساحل البصرة عشاء فتيامنت من الطريق ، وقربت من الساحل لأكون قريبا من الماء ، فرأيت عشرة نفر قعودا على السجادات لم أر معهم الركى والآلات التي تكون مع الصوفية ، فقاموا كلهم واستقبلونى وعانقونى ، ثم جلسوا كلهم مطرقين لا ينظر بعضهم إلى بعض إلى وقت غروب الشمس ، فقام واحد من الجماعة ودخل البحر ، ولم أعلم كيف كان حاله ، غير أنه أتى بإحدى عشرة سمكة مشوية ، ولم أر نارا ولا حطبا ، فقام واحد منهم ، فطرح عند كل واحد سمكة ، وتفرد هو بسمكة أعظمها ، وتفرقوا عن المجلس ، واشتغل كل واحد منهم بحاله ، ولم يتفرغ أحد لأحد ؛ فلما دنا الصبح أذن المؤذن وصلوا الصبح جماعة وأخذوا سجاداتهم ، فدخلوا البحر ومشوا في البحر على الماء ، فأراد خادمهم الذي طرح السمك بين أيديهم وتخصص بالكبيرة أن يسير معهم ويمشى على الماء ، فغاص في البحر ، فالتفتوا إليه وقالوا : يا فلان من خاننا فليس منا ، وكنت أنظر إليهم من بعيد وأتحسر على فراقهم ، وأخذت الركوة ومشيت ، وتركت ذلك الخادم في موضعه ، رضى اللّه تعالى عنهم .