عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

149

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

قال السرى رضي اللّه عنه : فلما رأتنا تحفة تغرغرت عيناها بالدموع ، وقالت : شهرتنى بين المخلوقين ، ثم أنشأت تقول : قد تصبرت إلى أن * عيل في حبك صبري ضاق من قيدى وغلى * وامتهانى فيك صدري ليس يخفى عنك أمرى * يا منى سؤلي وذخرى قال : فبينما نحن جلوس ، إذ دخل مولاها وهو باكى العين حزين القلب متغير اللون ، فقلت له : لا تبك فقد جئناك بما وزنت وربح خمسة آلاف ، فقال لا واللّه ، فقلت ربح عشرة آلاف ، فقال لا واللّه ، فقلت وربح المثل ، فقال لو أعطيتني الدنيا ما قبلت ، هي حرة لوجه اللّه تعالى ، فقلت له ما القصة ؟ فقال : يا أستاذ وبخت البارحة ، أشهدك أنى قد خرجت من جميع مالي هاربا إلى اللّه تعالى ، اللهم كن لي في السعة كفيلا ، وبالرزق حميلا ، فالتفت إلى ابن المثنى فرأيته يبكى ، فقلت له : وما يبكيك ؟ فقال : كأن الحق ما رضينى لما ندبنى إليه أشهدك أنى قد تصدقت بجميع مالي لوجه اللّه تعالى ، فقلت : ما أعظم بركة تحفة على الجميع ، فقامت تحفة ، فنزعت ما كان عليها ، ولبست مدرعة من شعر وخرجت وهي تبكى ، فقلنا لها : قد أطلقك اللّه تعالى فما يبكيك ؟ فأنشأت تقول : هربت منه إليه * بكيت منه عليه وحقه هو مولى * لا زلت بين يديه حتى أنال وأحظى * بما رجوت لديه قال : ثم خرجنا من الباب ، فلما صرنا في بعض الطريق طلبناها فلم نجدها ، ومات ابن المثنى في الطريق ، ودخلت أنا ومولاها مكة ، فبينما نحن في الطواف إذ سمعت كلام مجروح من كبد مقروح وهو يقول : محب اللّه في الدنيا سقيم * تطاول سقمه فدواه داه سقاه من محبته بكأس * فأرواه المهيمن إذ سقاه فهام بحبه وسما إليه * فليس يريد محبوبا سواه كذاك من ادعى شوقا إليه * يهيم بحبه حتى يراه فتقدمت إليها ، فلما رأتني قالت يا سرى ، قلت لبيك من أنت يرحمك اللّه ؟ قالت : لا إله إلا اللّه ، وقع التناكر بعد المعرفة ، أنا تحفة فإذا هي كالخيال ،