عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
141
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
الكوفة ، فقالت : لعلك من مدينة السلام بغداد ، قلت نعم ، قالت بخ بخ ( كلمة تعجب ) مدينة الزهاد والعباد ، قال : فتعجبت وقلت : جارية ينادى عليها من حجرة إلى حجرة ، من أين لها معرفة بالزهاد والعباد ؟ ثم أقبلت عليها شبه الملاعب لها وقلت لها : ومن تعرفين منهم ؟ قالت : أعرف مالك بن دينار ، وبشرا الحافي ، وصالحا المرى ، وأبا حاتم السجستاني ، ومعروفا الكرخي ، ومحمد بن الحسين البغدادي ، ورابعة العدوية ، وشعوانة ، وميمونة ، فأقبلت عليها وقلت لها : من أين لك معرفة هؤلاء ؟ قالت يا فتى كيف لا أعرفهم وهم واللّه أطباء القلوب ، ومن يدل المحب على المحبوب ، ثم أنشأت تقول : قوم همومهم باللّه قد علقت * فما لهم همم تسمو إلى أحد فمطلب القوم مولاهم وسيدهم * يا حسن مطلبهم للواحد الصمد ما إن تنازعهم دنيا ولا شرف * من المطاهم واللذات والولد ولا لباس لثوب فائق أنق * ولا التزايد في الأموال والعدد قال : فقلت لها يا جارية ، أنا محمد بن الحسين ، قالت : لقد سألت اللّه تعالى أن يجمع بيني وبينك يا أبا عبد اللّه ، ما فعل حسن صوتك الذي كنت تحيى به قلوب المريدين ، وتبكى به عيون السامعين ؟ فقلت : باق على حاله ، قالت : فباللّه عليك أسمعنى شيئا من القرآن ، فقرأت بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فصرخت صرخة عظيمة وغشى عليها ، فرششت على وجهها الماء ، فأفاقت ثم قالت : يا أبا عبد اللّه هذا اسمه ، فكيف لو عرفته وفي الجنان رأيته ، اقرأ يرحمك اللّه فقرأت ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) فقالت : يا أبا عبد اللّه ما عبدنا وثنا ولا قبلنا صنما ، اقرأ يرحمك اللّه ، فقرأت : ( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ، وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ، بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ) فقالت : يا أبا عبد اللّه لقد ألزمت نفسك القنوط ، روح قلبك بين الرجاء والخوف ، اقرأ يرحمك اللّه ، فقرأت ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ) وقرأت أيضا ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) فقالت : واشوقاه إلى لقائه يوم يتجلى لأوليائه ، اقرأ يرحمك اللّه ، فقرأت ( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ *