عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

139

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

والكبار ، وكنت في الناس مما يلي باب بنى شيبة ، وإذا بعبد أسود قد أقبل ، وعليه قطعتا خيش قد تردى إحداهما ، وألقى الأخرى عل عاتقه ، فانتهى إلى موضع خفى بحذائى ، فسمعته يقول : إلهي قد أخلقت الوجوه كثرة الذنوب ، ومساوى الأعمال ، وقد منعتنا غيث السماء لتؤدب الخليقة بذلك . فأسألك يا حليما ذا أناة ، يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل ، أن تسقيهم الساعة ، فلم يزل يقول الساعة الساعة حتى استوت السماء بالغمام ، وأقبل المطر من كل مكان ، وجلس مكانه يسبح ، وأخذت أبكى ، فلما قام اتبعته حتى عرفت موضعه ، فجئت إلى الفضيل بن غياض رضي اللّه عنه فقال : ما لي أراك كثيبا ؟ قلت : سبقنا إليه غيرنا ، فتولاه دوننا ، قال وما ذاك ؟ فقصصت عليه القصة ، فصاح وسكت وقال : ويحك يا ابن المبارك خذني إليه ، فقلت : قد ضاق الوقت وسأبحث عن شأنه ؛ فلما كان من الغد صليت الغداة وخرجت أريد الموضع ، فإذا بشيخ على الباب قد بسط له وهو جالس ؛ فلما رآني عرفني وقال : مرحبا بك يا أبا عبد الرحمن ما حاجتك فقلت له : احتجت إلى غلام أسود ، فقال نعم عندي عدة ، فاختر أيهم شئت ، وصاح يا غلام فخرج غلام جلد ، فقال : هذا محمود العاقبة أرضاه لك ، فقلت : ليس هذا حاجتي ، فمازال يخرج لي واحدا بعد واحد حتى أخرج لي الغلام المذكور ، فلما بصرت به بدرت له عيناي بالنظر ، فقال هذا هو ؟ قلت نعم ، قال : ليس لي إلى بيعه من سبيل قلت ولم ؟ قال : قد تبركت بموضعه في هذا الدار ، وذلك أنه لا يرزؤنى شيئا ؟ قلت ومن أين طعامه ؟ قال يكتسب من فتل الشريط نصف دانق أو أقل أو أكثر فهو قوته ، فإذا باعه في يومه وإلا طوى ذلك اليوم ، وأخبرني الغلمان عنه أنه لا ينام الليل الطويل ، ولا يختلط بأحد منهم ، وهو مهتم بنفسه وقد أحبه قلبي ، فقلت : أنصرف إلى سفيان الثوري وإلى فضيل بن عياض بغير قضاء حاجة ؟ فقال : إن ممشاك عندي كبير ، خذه بما شئت ، فاشتريته وأخذت به نحو دار الفضيل ، فمشيت ساعة ، ثم قال لي : يا مولاي ، قلت لبيك ، فقال : لا تقل لي لبيك ، فان العبد أولى بأن يلبى مولاه ، قلت ما حاجتك يا حبيبي ؟ قال : أنا ضعيف البدن لا أطيق الخدمة ، وقد كان لك في غيرى سعة ، وقد أخرج إليك من هو أجلد منى ، فقال : لا يراني اللّه تعالى أستخدمك ، ولكن أشترى لك منزلا وأزوجك وأخدمك