عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
133
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
وكبر الرياسة كان في رأسي حين كنت أجول في ميدان الخيلاء والاستكبار على فرس حب الجاه وزينة الدنيا في بلخ ، والآن قد خرج ذلك من رأسي ، واستبدلت بالخيلاء والاستكبار تواضع المسكنة والانكسار ، وخلعت خلعة الحمقى المنسوجة من غزل الغرور والعطب ، وحلية السفهاء المصنوعة من نحاس النحاسة والتيه والطرب ، ولبست خلعة الشرف الأبدي المنسوجة من غزل الزهد وورع أهل التحقيق ، وخضوع العبودية والافتقار بمغزل التوفيق ، وتحليت بحلية الأولياء المصوغة من جواهر المعارف ويواقيت الأدب ، وفيروزج محاسن أهل الطريق ، وسقيت براح المحبة على بساط مشاهدة الحبيب ، فلا أبالي بجفاء جندي وأنا من الملك قريب ، إذا حصل من ليل قبول وإقبال ، وأنزل المحب في موضع عال ، وشاهد حسن جمال غال ، فليس يحزن إذا نبحه كل من كلاب الحي أو عليه صال ، وفي ذلك قلت نائبا عن لسان الحال : إذا ما كلاب الحي فينا تنابحت * أناسا ومن ليلى قبول وإقبال برؤيا الجمال الغال منها لنا المنى * ومنها لنا في المنزل العالي إنزال ( الحكاية الثامنة بعد المئة عن بعض الثقاة ) قال : المؤلف كان اللّه له : أخبرني بعض الثقات من أهل اليمن أنه خرج للحج مع بعض الصالحين من أهل بلده ، فلما بلغوا جدة أكتروا جمالا يركبونها إلى مكة ، وساروا مع القافلة ، فعرض لهم بعض أولاد سلاطين مكة ، وأخذ الجباية من تلك القافلة حتى لم يبق إلا نحن فطالبنا بالجباية ولزم جمالنا ، فقال له الشيخ الصالح : أطلق الجمال فأبى ، ثم كرر عليه مرارا وهو يأبى ويزداد غيظا ، ثم قال : وحق رأس أبى ما أطلقكم إلا بكذا وكذا ، وذكر شيئا كثيرا ، فقال له الشيخ : وحق مولاي ما نعطيك شيئا ، ثم قال الشيخ : سيروا ، قال فسرنا وبقي ذلك الجابى على فرسه لا يقدر يتحرك ، فأرسل نحو الشيخ بعض غلمانه يسأله العفو عنه ويطلقه مما أصابه من العقوبة ، فأجابه الشيخ إلى ذلك ، فانطلق حينئذ ومشى به الفرس بعد أن كان لا يستطيع المشي ، رضى اللّه تعالى عنه وعن جميع الصالحين ، ونفعنا بهم وببركاتهم آمين . ( الحكاية التاسعة بعد المئة عن بشر الحافي ) حكى عن بشر الحافي رضى اللّه عنه أنه جاءه نفر فسلموا عليه ، فقال من أنتم ؟ قالوا نحن من الشام ، جئنا