عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

119

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

كان لي واللّه جواب إلا البكاء ، فقال لي : كل يرحمك اللّه ، فقلت له : قد أمرنا أن لا نطرح في وعائنا إلا ما نعلم ، فقال لي : كل عافاك اللّه ، فإنما ناولني هذا رضوان وقال لي : يا خضر اذهب بهذا الطعام فأطعمه لنفس إبراهيم بن أدهم فقد رحمها اللّه تعالى على طول صبرها على ما يحملها من منعها شهواتها ، ثم قال : فاللّه عز وجل يطعمها وأنت تمنعها ، يا إبراهيم إني سمعت الملائكة يقولون : من أعطى فلم يأخذ طلب ولم يعط ، فقلت : إن كان كذلك فها أنا بين يديك لم أخل بالعهد مع اللّه تعالى ، وإذا بفتى آخر قد ناوله شيئا وقال : يا خضر لقمه ، فلم يزل يطعمني بيده ، فانتبهت وحلاوة ذلك في فمي ولون الزعفران في شفتى ، فدخلت زمزم فغسلت فمي فلا الطعم ذهب ولا أثر الزعفران ، وقال سفيان : قلت له : فأرني فإذا أثره لم يذهب ، فقلت : يا من يطعم مناع الشهوات إذا صححوا المنع لأنفسهم ، يا من ألزم قلوب أوليائه التصحيح ، يا من سقى قلوبهم من شراب محبته ، أترى لسفيان عندك ذلك ؟ قال : ثم أخذت يد إبراهيم ورفعتها إلى السماء وقلت : اللهم بقدرهه الكف وقدر صاحبها وحرمته عندك ، وبالجود الذي وجده منك ، يا اللّه ، جد على عبدك الفقير إلى فضلك وإحسانك برحمتك يا أرحم الراحمين ، وإن لم يستحق ذلك منك يا رب العالمين . ( الحكاية الخامسة والثمانون ) حكى عن إبراهيم بن أدهم أيضا رضي اللّه عنه أنه حج إلى بيت اللّه الحرام ، فبينما هو في الطواف وإذا بشاب حسن الوجه ، قد أعجب الناس حسنه وجماله ، فصار إبراهيم ينظر إليه ويبكى ، فقال بعض أصحابه : « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » غفلة دخلت على الشيخ بلا شك ، ثم قال : يا سيدي ما هذا النظر الذي يخالطه البكاء ؟ فقال له إبراهيم : يا أخي إنني عقدت مع اللّه تعالى عقدا لا أقدر أفسخه ، وإلا كنت أدنى هذا الفتى منى وأسلم عليه ، فإنه ولدى وقرة عيني ، تركته صغيرا وخرجت فارا إلى اللّه تعالى ، وها هو قد كبر كما ترى ، وإني لأستحى من اللّه تعالى أن أعود لشئ خرجت عنه ، وتركته له عز وجل ، وأنشد : ولا عرضت لي نظرة مذ عرفته * مدى الدهر إلا كان لي حيث أنظر أغار على طرفي له فكأننى * إذا رام طرفي غيره لست أبصر أيام ذخرى وسؤلي وعدتي * ودادك في قلبي إلى يوم أحشر