عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
102
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
إبراهيم حتى قضى نحبه ، رحمة اللّه عليه . ( الحكاية الرابعة والستون عن إبراهيم الخواص رضى اللّه تعالى عنه ) قال : حججت سنة من السنين ، فبينما أنا أمشى مع أصحابي ، إذ عارضني عارض في سرى يقتضى الخلوة وخروجا عن الطريق الجادة ، فأخذت طريقا غير الطريق الذي عليه الناس ، فمشيت ثلاثة أيام بلياليهن ما خطر على سرى ذكر طعام ولا شراب ولا حاجة ، فانتهيت إلى برية خضراء فيها من كل الثمرات والرياحين ، ورأيت في وسطها بحيرة ، فقلت : كأنها الجنة ، وبقيت متعجبا ؛ فبينما أنا كذلك أتفكر ، إذا أنا بنفر قد أقبلوا سيماهم سيما الآدميين ، عليهم المرقعات الحسان ، والفوط الملاح ، فحفوا بي وسلموا على ، فقلت : وعليكم السلام ورحمة اللّه تعالى وبركاته أين أنا وأنتم ؟ ثم وقع بخاطرى بعد سؤالي لهم أنهم من الجن ، وأن البقعة بقعة غريبة ، فقال قائل منهم : قد جرت بيننا مسئلة واختلفنا فيها ، ونحن نفر من الجن قد سمعنا كلام اللّه عز وجل من سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة ، وسلبتنا نغمة كلامه جميع أمور الدنيا ، وقد قيض اللّه لنا هذه البحيرة في هذه البرية ، قلت وكم بيننا وبين الموضع الذي تركت فيه أصحابي ، فتبسم بعضهم وقال : يا أبا إسحاق إن للّه عز وجل أسرارا وعجائب ، إن الموضع الذي أنت فيه لم يحضره آدمي قبلك إلا شاب من أصحابكم توفى ههنا وذلك قبره ، وأشار إلى قبره على شفير البحيرة ، حوله روضة ورياحين لم أر مثلها قبل ، ثم قال : بينك وبين القوم الذين فارقتهم مسيرة كذا وكذا من شهر ، أو قال كذا وكذا من سنة ، واللّه أعلم أيهما ذكر إبراهيم ؛ قال : قلت أخبروني عن الشاب ، فقال قائل منهم : بينما نحن قعود على شفير البحيرة نتذاكر المحبة ونتحاور فيها إذا بشخص قد أقبل إلينا وسلم علينا ، فرددنا عليه السلام ، وقلنا له : من أين أقبل الشاب ؟ قال : من مدينة نيسابور ، قلنا له : ومتى خرجت منها ؟ قال : منذ سبعة أيام ، قلنا له : وما الذي أزعجك على الخروج من وطنك ؟ قال : سمعت قول اللّه تعالى ( وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) قلنا له : فما معنى الإنابة ، وما معنى التسليم ، وما معنى هذا العذاب ؟ فقال : الإنابة : أن يرجع بك منك إليه ، قلت : ولم يذكر التسليم ، في الأصل الذي نقلت منه ، ولعله أن تسلم نفسك له ، وتعلم أنه أولى بك منك ، قال : ثم قال والعذاب ، وصاح صيحة