عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
100
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
هذه السنة الكثيرة الحر والقيظ ، فأجابني يا إبراهيم ما أنست بسواه ولا رافقت غيره ، وأنا منقطع إليه بالكلية مقر له بالعبودية فقلت له من أين المأكول والمشروب ؟ فقال : تكفل لي به المحبوب ، فقلت : واللّه إني خائف عليك لأجل ما ذكرت لك ، فأجابني ودموعه تنحدر على خديه كاللؤلؤ الرطب ، وأنشأ يقول : من ذا يخوفنى بالبر أقطعه * إلى المحب وقد قدمت إيمانا الحب أقلقني والشوق أزعجنى * ولا يخاف محب اللّه إنسانا فلو أجوع فذكر اللّه يشبعنى * ولا أكون بحمد اللّه عطشانا وإن ضعفت فوجد منه يحملني * من الحجاز إلى أقصى خراسانا فهل لصغرى تكون اليوم تحقرنى * دع عنك عذلك لي قد كان ما كانا قال : فقلت له : سألتك باللّه يا غلام إلا ما أعلمتنى بحقيقة عمرك ، فقال : لقد آليت على بأجل الإيمان عندي ، عمرى ثنتا عشرة سنة ، ثم قال : يا إبراهيم ما الذي ألجأك إلى ذلك ؟ تسألني عن عمرى ؟ فقد أخبرتك بحقيقته ، فقلت : واللّه لقد دهشنى ما سمعت منك ، فقال : الحمد للّه على ما أولانا من نعمه ، وفضلنا على كثير من عبادة المؤمنين ، قال : فتعجبت من حسن وجهه ، وبهاء طلعته ، وحلاوة منطقه ، وقلت : سبحان اللّه الخالق المصور ، فأطرق الغلام رأسه إلى الأرض مليا ، ثم رفع رأسه إلى السماء ينظرنى شزرا ، وأنشأ يقول : ويحى إذا كان الجحيم جزائي * ماذا يحل ببهجتى وبهائى يبلى العذاب محاسنى ويشينها * ويطول منى في الجحيم بكائي ويقول لي الجبار جل جلاله * يا عبد سوء أنت من أعدائي بارزتنى وعصيت أمرى جاهلا * أنسيت عهدي ثم يوم لقائي وترى وجوه الطائعين كأنها * بدر بدا في ليلة الظلماء كشف الحجاب فعاينوه فأدهشوا * ونسوا نعيمهم وكل رخاء وكساهم حلل المهابة والرضا * وحبا الوجوه بنظرة وبهاء ثم قال : يا إبراهيم اعلم أن المنقطع ، من قطعه الحبيب ، والمواصل من أخذ من الطاعة بنصيب ولكن أنت المنقطع عن الحاج يا إبراهيم ، فقلت له نعم ، وأنا