عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
97
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
ورجعنا إلى ما يتعلّق بذكر الشيخ أبي النجيب قال الراوي : ومررت معه مرة أخرى على الجسر ، فرأى رجلا يحمل فاكهة كثيرة فقال له : ضع هذه الفاكهة ، قال : ولما ؟ قال : إنها تقول لي : ابعدني من يد هذا ؛ لأنه اشتراني ليشرب عليّ الخمر ، فأغمى على الرجل وسقط على وجهه ، ثم أتى الشيخ وتاب على يديه ، وقال : واللّه ما علم بهذا الحال الذي أخبر به الشيخ غير اللّه وأنا . قال : وخرجت معه يوما بالكرخ ، فسمعنا أخلاط أصوات سكارى في دار ، فشممنا رائحة منكرة ، فدخل الشيخ دهليز الدار وصلّى ركعتين ، وخرج من كان فيها صالحين فإذا الخمر الذي كان في الأولى قد صار ماء ، وتابوا كلهم على يد الشيخ رضي اللّه عنه . وكان رضي اللّه عنه من أعيان المحققين ، وعلامة العلماء والعارفين ، صاحب الكشف الظاهر والكرامات الخارقة ، والأحوال النفيسة ، والمقامات الرفيعة ، والأنفاس الصادقة ، والمعارف الغيبية ، وهو أحد من درّس بالنظامية ، وقصد للفتاوى ، ووضع الكتب المفيدة بها في علمي الشريعة والحقيقة ، وكان يلقّب بمفتي العراقيين ، وقدوة الفريقين ، وأحد أركان هذا الشأن وأئمة ساداته ، وأجلّاء قادته ، له المنهاج العلي في الحقائق ، والمعراج الأرفع في المعالي ، والعز السامي في القرب ، والقدم الراسخ في التمكين ، والباع الطويل في أشرف الأخلاق ، وأطيب الأعراق ، وانعقد عليه اجتماع المشايخ والعلماء بالاحترام ، وأوقع اللّه له في الصدور القبول التام ، وكان بهي السمت ، ظاهر الرّضا أو الوضاءة ، وكان يشرح أحوال القوم ، ويلبس لباس العلماء ، ويركب البغلة ، ويرفع بين يديه الغاشية . قال رضي اللّه عنه : أول التصوّف علم ، وأوسطه عمل ، وآخره موهبة ، فالعلم يكشف عن المراد ، والعمل يعين على الطلب ، والموهبة تبلغ غاية الأمل وأهله على ثلاث طبقات : مريد طالب ، ومتوسط سائر ، ومنتهي واصل ، فالمريد صاحب وقت ، والمتوسط صاحب حال ، والمنتهي صاحب يقين ، وأفضل الأشياء عندهم عد الأنفاس . فمقام المريد المجاهدات والمكابدات ، وتجرع المرارات ، ومجانبة الحظوظ وما للنفس فيه هوى ، ومقام المتوسط ركوب الأهوال في طلب المراد ، ومراعاة الصدق في الأحوال ، واستعمال الأدب في المقامات ، وهو مطالب بآداب المنازل ، وهو صاحب تلوين ؛ لأنه مرتق من حال إلى حال وهو في الزيادة .