عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
89
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
قال : جئت في وقت قحط كان بالمغرب إلى الشيخ أبي يعزى ، وهو جالس في الصحراء وحوله وحوش كثيرة ، أسد وغيرها مختلطا لا يؤذي بعضها بعضا ، وعلى رأسه طيور كبيرة ، فتقدّم إليه أحد الوحوش وصوت إليه كأنه يكلمه ، فيقول له الشيخ : رزقك كذا في مكان كذا ، فيذهب من بين يديه حتى أتى على آخر الطيور والوحوش ، فلما لم يبق منها عنده قلت له : يا سيدي ما هذا ؟ قال : يا شيخ إن هذه الوحوش والطيور اجتمعت إليّ تشكو شدة الجوع من القحط ، وقالت أنها لم تأمن أن تسكن أرضا غير بلاد المغرب ؛ محبة في جواري ، وأن اللّه سبحانه وتعالى أطلعني على رزقها وعلى أوقاتها ومواضعها فأخبرتها بذلك ، وقد ذهبت إلى أرزاقها . الحكاية العشرون عن الشيخ الجليل العارف باللّه أبي محمد صالح قال : سمعت شيخنا الشيخ القدوة أبا مدين رضي اللّه عنه يقول : جاء بعض أصحابنا شيخنا أبا يعزى رضي اللّه عنه يشكى جدبا بالمغرب وقال : إن لي أرضا أقتاد أنا وعيالي من زرعها وقد أجدبت ، فقام معه الشيخ وأتى أرضه ومشى فيها ، وجعل يسأل عن جدبها بعكازه ، يقول : إلى هنا وإلى هنا ، حتى أتمها إلى آخرها ، ومطرت أرضه خاصة حتى رويت لم يعهد المطر ولم تزرع أرض بالمغرب فيها سواها . قلت : ولحق هذه الحكاية مما جرى له مع بعض شيوخ اليمن ، وهو الولي الكبير ، والسيد الشهير محمد بن يعقوب المكنى أبا حربة رضي اللّه عنه « 1 » ، على ما بلغني عنه أنه شكا إليه بعض أصحابه
--> - ومكث سنة في بيته لا يخرج إلّا للجمعة ، فاجتمع الناس على باب داره ، وطلبوا منه أن يتكلّم عليهم ، فلمّا ألزموه خرج فرأى عصافير على سدرة في الدّار ، فلما رأوه فرّوا فرجع ، وقال : لو صلحت للحديث عليكم لم تفر مني ، ثم رجع وجلس سنة أخرى ، ثم جاءوا إليه فخرج فلم تفر منه الطيور ، فتكلّم على الناس ، ونزلت الطيور تضرب بأجنحتها وتصفّق حتى مات منها طائفة ، ومات رجل من الحاضرين رضي اللّه عنه . وانظر في ترجمته : بهجة الأسرار ( ص 344 ) ، والانتصار ( ص 451 ) ، والمعزى للتادلي ، والمنهاج الواضح للماجري ، أربعتهم بتحقيقنا . ( 1 ) قال المناوي : محمد بن يعقوب بن الكميت . صوفي أشرقت أنواره ، وطابت أنباؤه وأخباره ، وزكى تأرج عرف عرفانه ، وتبرج بحلي المعاني بديع بيانه ، وهو المعروف بابن أبي حربة ، لكونه أشار بإصبعه إلى أحد الظلمة كصورة الطعنة فقتله ، وكان بعد ذلك لا يشير بها إلا منحرفة عن صوب المشار إليه في الجد والهزل . -