عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

266

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

سقاة قربه ، خرجوا إلى الدنيا وفي رؤوسهم نشوات ذلك الخمار ، وفي عيون عقولهم بقايا رسوم ذلك الجمال ، وفي أحداق قلوبهم برقات ذلك الحباب . واحرقتاه عليكم كيف تموتوا وما عرفتم ربكم ! الشجاعة صب يا عجم الفطنة ، سافر إلى بلاد القرب ، يا موتى الطبيعة سافروا إلى بلاد الهند للهداية . يسقى بعض العارفين من هذا الشراب قطرة ، وأفرغ ساقي القدر منه نعته ، فقامت روحه ترقص طربا بين يديه ، واهتزّ جبل موسى شوقا عند لمع برق التجلّي ، فنظر سر المحبوب ، فقال من عليه طفحات عبقه : أنا الحق ، سكر نديمه الآخر ، فقال : سبحاني ! فأرق جماعة من طيور أرواح أقفاص الأشباح ، وطارت بأجنحة الشوق في بهاء الغرام ، وقامت من مجد الوجود نوادي منادي الأزل ، وطمعت أن ترعى من طور القدم حب المشاهدة ، فانقضّت على حمائم طلبها برداء العظمة ، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه ، لاحت لأسرار العالمين بهجة جلال الديمومية ، وأشرقت لعيون العارفين كمال الأحدية من مشكاة نور القدم ، وسقطت قوادم أقدام الخلائق في مفاوز : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الزمر : 67 ] ، وانقطع العاصون في فتنة : نَسُوا اللَّهَ [ الحشر : 19 ] . معاشر المريدين لقد أودعت صور الآدمي نشرا من الغيب ، ودفن في ترابها كنز من العلا ، فرامت التشبث إلى معرفته ، والاطلاع على دفينه ، فمنعها حاجز النفوس ، فما وجدت سبيلا لترد سلسبيلا « 1 » . معاشر العارفين جدوا ، ليس المحبوب غائبا عنكم إلا بحجاب الأهوية ، واللّه إن هوى هذه النفوس قيد أرجل العقول ، وإن مواضع الشهوات مزالق أقدام الأفهام ، سافروا بالهمم إلى المحبوب ، اخرجوا من جيوش الصور إلى طلب نظر المصور ، اطلبوا حياة الأبد تحت جبل قاف القرب . وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة : 197 ] « 2 » . وقال أيضا رضي اللّه عنه في الحلاج : طار واحد من العارفين إلى أفق الدعوى بأجنحة : ( أنا الحق ) ، طار بغير أجنحة فتعرّض لحتفه ، فظهر عليه عتاب من الملك من مكمن : إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ العنكبوت : 6 ] .

--> ( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( 139 ) . ( 2 ) انظر : قلائد الجواهر ( 280 ) ، والبهجة ( 139 ) .