عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
23
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
ونقل الإمام القزويني في كتابه « سراج العقول » عن إمام الحرمين أنه سئل عن كلام الصوفية ، فقال : لو قيل لنا : فقولوا ما يقتضي التكفير من كلامهم مما لا يقتضيه لقلنا : هذا طمع في غير مطمع ؛ لأن كلامهم بعيد المدرك وعير المسلك ، يغترف من تيار بحر التوحيد ، ومن لم يحط علما بنهايات الحقائق لم يحصل من دلائل التكفير على وثائق ، كما أنشد بعضهم في هذا المعنى : تركنا البحار الزّاخرات وراءنا * فمن أين يدري النّاس أين توجّهنا وسئل شيخ الإسلام تقي الدين السبكي عن حكم غلاة المبتدعة وأهل الأهواء والمتفوّهة بالكلام على الذات المقدّسة ؟ فقال : اعلم أيها السائل إن كل من خاف من اللّه عزّ وجلّ استعظم القول بالتكفير لمن يقول « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » ؛ إذ التكفير أمر هائل عظيم الخطب ؛ لأن من كفّر شخصا فكأنه أخبر أن عاقبته في الآخرة الخلود في النار أبد الآبدين ، وأنه في الدنيا مباح الدم ، والمال لا يملك مسلمة ، ولا تجري عليه أحكام المسلمين في حياته ولا بعد مماته ، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم . وفي الحديث : « لأن يخطئ الإمام في العفو أحبّ إلى اللّه تعالى من أن يخطئ في العقوبة « 1 » » . ثم إن تلك المسائل التي يفتى فيها بتكفير هؤلاء القوم في غاية الدقة والغموض ؛ لكثرة سعتها ، واختلاف قرائنها ، وتفاوت دعاويها ، والاستقصاء في معرفة الخطأ من سائر صنوف وجهه ، والاطّلاع على حقائق التأويل وشرائطه في أماكنه ، ومعرفة دلائله في التوحيد وغوامضه إلى غير ذلك مما هو متعذّر على أكابر علماء عصرنا ، فضلا عن غيرهم ، وإذا كان الإنسان يعجز عن تحرير معتقد في عبارة فكيف يحرّرها اعتقاد غيره من عباراته ؟ ! فما بقي الحكم بالتكفير إلا لمن صرّح بالكفر ، واختاره دينا ، وجحد الشهادتين ، وخرج عن دين الإسلام ، وهذا نادر وقوعه ؛ فالأدب الوقوف عن تكفير أهل الأهواء والبدع والتسليم للقوم في كل شيء قالوه مما لا يخالف صريح النصوص ، انتهى . وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني في « مقدمة الطبقات » قال : أخبرني الشيخ أمين الدين الإمام بجامع « الغمري » بمصر أن شخصا وقع في عبارة موهمة للتكفير ، فأفتى علماء مصر بتكفيره ، فلما أرادوا قتله قال السلطان : هل بقي أحد من العلماء لم
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 8 / 238 ) .