عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
198
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
الحكاية الثانية والعشرون بعد المائة عن الشيخ العارف أبي عمر الصيرفيني : قال : سمعت الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلي رضي اللّه عنه يقول : كنت أجلس في الخراب الليل والنهار ولا آتي إلى بغداد ، وكانت الشياطين تأتيني صفوفا ورجالا وركبانا بأنواع السلاح ، وأزعج الصور ، يقاتلونى ويرموني بشهب النار ، أمنا لا يفتر عني ، وأسمع مخاطبا من باطني يقول لي : قم إليهم يا عبد القادر قد ثبّتناك وأيّدناك بنصرنا ، فما هو إلا أن أنهض إليهم فيتفرقون يمينا وشمالا ، ويذهبون من حيث أتوا ، وكان يأتيني الشيطان منهم وحده ويقول لي : اذهب من هنا وإلا فعلت وفعلت ، ويحذرني تحذيرا كثيرا ، فألطمه بيدي فيفر مني ، فأقول : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، فيحرق وأنا أنظر ، وآتاني مرة شخص كريه المنظر نتن الريح ، وقال لي : أنا إبليس ، أتيتك أخدمك فقد أعييتني وأعييت أتباعي ، فقلت له : اذهب ، قال : فجاءته يد من فوقه وضربت أم رأسه فغاص في الأرض ، ثم أتاني ثانية وبيده شهاب من نار يقاتلني به ، فأتاني رجل متلثم راكب فرس أشهب ، وناولني سيفا فنكص إبليس على عقبيه ، ثم رأيته مرة ثالثة جالسا بالبعد عني وهو يبكي ، ويحثو التراب على رأسه ، ويقول : قد أيست منك يا عبد القادر ، فقلت : اخسأ يا لعين ، فإني لا أزال حذرا منك ، فقال : هذه أشد عليّ . ثم كشف لي عن أشراك كثيرة ومصائد ومحائل حولي ، فقلت : ما هذا ؟ فقيل لي : هذه أشراك الدنيا التي يصاد بها مثلك ، فتوجّهت في أمرها سنة حتى تقطعت ، كلها ثم كشف لي عن أسباب كثيرة متصلة إليّ من كل جهة ، فقلت : ما هذا ؟ فقيل لي : هذه أسباب الخلق متصلة بك ، فتوجهت في أمرها سنة أخرى حتى تقطّعت كلها ، وانفردت عنها . ثم كشف لي عن باطني فرأيت قلبي مناطا بعلائق كثيرة ، فقلت : ما هذا ؟ فقيل لي : هذه إرادتك واختياراتك ، فتوجهت في أمرها سنة أخرى حتى تقطّعت جميعها ، وتخلص منها قلبي . ثم كشف لي عن نفسي فرأيت أدواءها نائمة ، وهواها حيّ وشيطانها ماردا ، فتوجهت في ذلك سنة أخرى فبرأت أدواء النفس ، ومات الهوى ، وأسلم الشيطان ، وصار الأمر كله للّه . فبقيت وحدي ، الوجود كله من خلفي ، وما وصلت لنهاية مطلوبي بعد واجتذبت إلى باب التوكل لأدخل منه على مطلوبي فإذا عنده زحمة فجزته . ثم اجتذبت إلى باب الشكر لأدخل منه على مطلوبي فإذا عنده زحمة فجزته ، ثم اجتذبت إلى باب التسليم لأدخل منه على