عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

192

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

الحكاية السادسة عشرة بعد المائة عن الشيخ أبي طاهر غانم الأنصاري نزيل مصر قال : حججت مرة وأتيت بغداد أنا ورفيق لي ، وما كنا دخلناها قبل ، ولا نعرف فيها أحدا ، ولم يكن معنا إلا مدية فبعناها بطسوج - بالجيم بعد الواو - واشترينا به أرزا وأكلناه ، فلم يطب لنا ولم نشبع ، وأتينا مجلس الشيخ محيي الدين عبد القادر فقطع كلامه وقال : مساكين الغرباء ، جاءوا من الحجاز ولم يكن معهم إلا مدية فباعوها بطسوج واشتروا به أرزا ، وأكلوه ولم يشبعوا ، فأعجبت من كلامه إعجابا شديدا ، فلما انقضى كلامه أمر بمد السماط ، فقلت لرفيقي سرّا : ما تشتهي ؟ فقال : كشكا بدراج ، وقلت في نفسي : وأنا أشتهي شهدا ، فقال الشيخ على الفور للخادم : أحضر كشكا بدراج وشهدا ، فأحضرهما وقال : ضعهما بين يدي ذلك الرجلين ، وأشار إلينا ، ووضع الكشك قدامي والشهد قدام رفيقي ، فقال له الشيخ : اقلب تصب ، فلم أتمالك أن صرخت وسعيت إليه أتخطى رقاب الناس ، فقال لي : أهلا وسهلا بواعظ الديار المصرية ، فقلت : وكيف وأنا لا أحسن أصحح الفاتحة ؟ فقال : قد أمرت أن أقول لك هذا القول ، فاشتغلت عليه ففتح اللّه عليّ في سنة بما لم يفتحه على بصيرتي في عشرين سنة ، وتكلمت ببغداد . قال : ثم استأذنته في السفر إلى مصر ، فقال : إنك تنتقل إلى دمشق وتجد بها الغز متهيئين للدخول إلى مصر ليملكوها ، فقل لهم : إنكم لن تنالوا ما تريدون في هذه المرة بل تعودون وترجعون إليها مرة أخرى وتملكوها ، فلما أتيت دمشق وجدت الأمر كما ذكر الشيخ ، فقلت لهم ما قاله الشيخ ، فلم يقبلوا مني . ودخلت إلى مصر فوجدت الخليفة متهيئا للقائهم ، فقلت له : لا بأس عليك ، إنهم ينقلبون خائبين ، ويرجعون غير ظافرين ، فلما وصل الغز إلى مصر كسروا ، فاتخذني الخليفة خطيبا ، أطلعني على أسراره ، ثم جاء الغز في الثانية فملكوا مصر ، فأكرموني إكراما عظيما بالكلام الذي قلت لهم بدمشق ، فحصل من الدولتين مائة ألف وخمسين ألف دينار بكلمة واحدة من الشيخ محيي الدين عبد القادر رضي اللّه عنه « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( ص 143 ) .