عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
162
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
الحكاية الثامنة والثمانون عن الشيخ أبي عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه قال : كنت أبحث عن قوام الجسد في الغذاء ، وأسأل عنه من ألقي من العلماء ، فلم يزل الأمر بي حتى طويت أياما كثيرة وضعفت ، فحضر بين يدي طعام ، وجعلت أراقب نفسي إلى أي حدّ ترتد عليّ قوتي ، وأجد لذة الطعام ، فأكلت مقدار ست أواق أو أربع أواق ، فانتبهت نفسي ووجدت لذة الطعام ، فأردت الزيادة على ذلك المقدار ، فخرجت لي يد من تحت يدي تريد أن تأكل معي ، فمددت يدي إلى ذلك الطعام ، فامتدّت تلك اليد فتنغصت عليّ الحال ، واسودّ الطعام في عيني ، فلم أقدر أن آكل منه شيئا فقمت عنه ، فقيل لي : ذلك الحد هو قوام الجسد ، وما سواه فهو للنفس ، فلم أزل على ذلك مدة حتى تمكن حالي . وكنت إذا آتاني ضيف فأكلت معه لم تخرج تلك اليد لي ، فقيل لي : كم كان صبرك على ذلك المقدار ؟ قلت : كنت أصبر عليه يوما وليلة ، وكان لي حال مستمرا ونفسي ساكنة ، وجوارحي هادئة ، ولساني ذاكر ، وقلبي طيب ، ودمت على ذلك مدة من الزمان . وقال أيضا : أضافنا في بعض القرى رجل ، وقدّم إلينا طعاما فقلت لصاحب لي : كل ، فقال لي : لا أستطيع أن أمد يدي إليه ؛ إني أجده نارا ، فقلت له : أيضا وأنا أراه دما ، فاعتذرنا وانصرفنا ، وسألنا عن الرجل فإذا هو حجام . وقال أيضا رضي اللّه عنه : كنت في بعض الطريق فنعست فنمت تحت شجرة ، وكنت عطشانا فأتاني شخص بقدح زجاج فشربت ما فيه ، فزال تعبي وعطشي فقمت ومشيت . وكان رضي اللّه عنه من أجلّاء المشايخ العارفين ، وأكابر الأئمة المحققين ، وعظماء المرادين المريدين ، والجهابذة أدلاء الطريقة السالكين ، لاحت من بركاته لوامع السعود في البدايات ، وفاحت روائح طيب أنفاسه في الوجود في النهايات ، صاحب الآيات الخارقة ، والأنفاس الصادقة ، والمحاضرات القدسية ، والمعارف السّنية ، والمنزل الأعلى في أرائك القدس ، والمقر الأسنى في مجالس الأنس ، والأخبار الصادقة عن مكنونات الأسرار ، والأنوار اللامعة في مطالع الأنوار ، والباع الطويل في أحكام الولاية ، والذراع الرحيب في أحوال النهاية ، واليد البيضاء في علوم المشاهدة ، والقدم الراسخ ، والتصريف النافذ بقوة المجاهدة والتمكين المكين في مرتبة المقرّبين ، والتحقيق في آداب العبودية المؤدية إلى كمال الحرية .