عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
154
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
الشيخ بيدي وقال لي : لن تصل إليه ، فأنا في ذلك مع الشيخ فإذا أخي قد نعس وسقط من فوق الجمل ، فوثب الشيخ وتلقّاه قبل أن يصل إلى الأرض ، ووضعه على ظهر الجمل ورجع إليّ ، فلما سار الركب وغاب عنا ، أتى الشيخ إلى موضع سير الركب فأخذ منديلا وركوة ، وأتاني بهما وقال : هذان سقطا من أخيك عند سقوطه فأخذتهما ، ورجعت وقد اطمأنت نفسي برؤية أخي ، وأرّخت هذه الواقعة في يومها ، فلما أتى أخي سألته عن حاله في ذلك اليوم الذي أرّخته ، فقال : سقطت من ظهر راحلتي ، فلو لا أن اللّه رحمني بالشيخ خليفة وأدركني قبل أن أصل إلى الأرض ووضعني على راحلتي ، ولم تتألم فيّ جارحة ، ثم ذهب الشيخ ولم أدر من أين جاء ولا من أين مرّ ، ولا رأيته بعد ذلك ، وفقدت في ذلك اليوم منديلي وركوتي ، قال : وقمت وأخرجت له المنديل والركوة ، فلما رآهما اشتدّ تعجبه ، وأخبرته بقصتي مع الشيخ في ذلك اليوم ، ثم أتينا إلى الشيخ مكارم وذكرنا له القصة فقال : إذا كانت المقامات تطوى بين يدي الشيخ خليفة كالكرة ، فكيف لا تكون الأرض بين يديه كالذرة . وقال : وكان بين دار الشيخ خليفة وبين منزل الحاج في ذلك الوقت مسيرة شهرين . الحكاية الثامنة والسبعون عن الحسن بن القاسم المعروف جده بأبي فوقا قال : سمعت جدي يقول : حكي عن بعض أصحابنا الصلحاء من أهل بغداد أنه قال : انتبهت ليلة في السحر وبايعت اللّه تعالى أن أجلس في جامع الرصافة متوكلا ، من حيث لا يشعر به أحد من الخلق ، وأتيت من وقتي الجامع وجلست فيه يوم الاثنين ، ويوم الثلاثاء ، ويوم الأربعاء ، فما رأيت فيها أحدا ، وما أكلت فيها طعاما ، واشتدّ جوعي ، وخفت من السقوط ، وكرهت الخروج من تلقاء نفسي ، واشتهت نفسي شوي سخينا وخبزا رصّافيّا وتمرا يثريبيّا ، فأنا في ذلك وإذا حائط المحراب قد انشقّ وخرج إليّ منه رجل هيئته كهيئة أهل السواد ، وبيده ميزر فوضعه بين يدي وقال لي : قال لك الشيخ خليفة : كل شهوتك واخرج من هنا ، فما أنت من أرباب مقام التوكّل ، ثم غاب الرجل عني ، ففتحت الميزر فإذا فيه شواء سخينا وخبزا رصافيّا وتمرا يثريبيّا ، فأكلت وخرجت ، وأتيت الشيخ خليفة في نهر الملك فلما رآني قال لي : يا هذا لا ينبغي للرجل أن يجلس متوكلا حتى يحكم أساسه في قطع الطريق باطنا وظاهرا ، وألا يكون عاصيا في ترك الأسباب .