عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
136
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
الراسخ في التمكين المحمود ، والباع الطويل في التصريف النافذ في الوجود ، واليد البيضاء في السبق إلى معارج الفضل ، والمشرب الهني من كئوس مدام الوصل ، مطلعا لشموس الأنوار ، ومنبعا لعيون الأسرار ، سارت بذكر فضائله الركبان في الآفاق ، وانعقد على جلالة قدره الإجماع . قلت : ورأيت كلاما مجموعا في جزء : قال الشيخ الكبير العارف باللّه الشهير أبي عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه : لقيت الشيخ أبا مدين رضي اللّه عنه وكانت له الغارة وشرف الهمّة ، وأقمت عنده أحضر مجلسه وأسمع كلامه ، وكنت آوي في سور البلد ، ولا أخالط من أصحابه أحدا ، وأقمت مريضا بحمى الربيع مدة ثلاثة أشهر وأنا مطروح تحت السور . قال : ودخل على الشيخ أبي مدين في بعض الأيام ولد له صغير من المكتب ، فالتفت إلى أصحابه وقال : هذا الذي أفسد مملكتي ، فعن قريب توفي الصغير . ومن كلامه رضي اللّه عنه : المقرّب مسرور بقربه ، والمحبّ معذّب في حبّه ، ومن خرج إلى الخلق قبل وجود حقيقة تدعوه إلى ذلك فهو مفتون ، ومن رأيته يدّعي مع اللّه حالا لا يكون على ظاهره منه مشاهدة فاحذره ، وإذا ظهر الحق لم يبق معه غيره ، وليس للقلب سوى وجهة واحدة ، فإلى أي جهة توجّه حجب عن غيرها ، وإذا سكن الخوف في القلب أورثه المراقبة ، ومن تحقّق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء ، وأحواله بعين الدعوى ، وأقواله بعين الافتراء ، وما وصل إلى الحرية من بقي عليه من نفسه بقية . ومن كلامه : شاهد مشاهدته لك ولا تشاهد مشاهدتك له . الفقر أمارة على التوحيد ، ودلالة على التفريد ، والفقر ألا يشهد سواه ، والفقر نور ما دمت تستره ، فإذا أظهرته ذهب نوره ، ومن كان الأخذ أحب إليه من العطاء فما شم رائحة الفقر . والإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق ، ومن عرف أحدا لم يعرف الأحد . والحق ما بان عنه أحد من حيث العلم والقدرة ، ولا اتصل به أحد من حيث الذات والصفات ، ومن لم يصلح للمعرفة شغل برؤية الأعمال ، والشهيد يشاهد حاله فيسرّه ، والميت يشاهد عمله فيقلقه ، وهذا بالقبول والرد مخوف ، وذلك بالرحمة والرضوان مبشر ومشرف . قال رضي اللّه عنه : الحق مباين للخلق بالقدم والربوبية ، كما باينوه بالحدث والعبودية .