عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

120

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

ولمن ذاق حبك كيف يصبر عنك ، يا مأمول العارفين ، وحبيب المقرّبين ، وأنس المحبين ، وغاية أهل الطالبين ، وبغية المنقطعين ، ثم صاح : وا شوقاه وا كرباه . فتبعت الصوت وقد أخذ بمجامع قلبي حتى انتهيت إليه ، فإذا هو شيخ نحيف الجسم ، مصفر اللون ، تعلوه الهيبة ، ويجلله الوقار ، وعليه سمة أهل المعرفة ، فدنوت منه وسلمت عليه ، فقال : مرحبا بك يا أبا عمرو ، فقلت : وكيف عرفتني وما رأيتني قبل هذه الساعة ؟ قال : نظرت إلى شخصك في الأرض فعرفت ما مقامك في السماء ، وقرأت اسمك في اللوح المحفوظ ، فقلت له : يا سيدي أفدني فائدة ؟ فقال : يا أبا عمرو أوحى اللّه عز وجلّ إلى نبيه داود عليه السلام : قل لأحبابي وأوليائي : كيف أعرفن كلّا منهم صاحبه ، وإني مؤنسهم بذكري ، ومحدثهم بأنسي ، وكاشف الحجاب فيما بيني وبينهم ؛ لينظروا إلى عظمتي وجلالي ، في كل يوم أدنيهم ، وفي كل ساعة أقربهم مني ، وأذيقهم من طعم كرامتي ، فإذا فعلت ذلك لهم عميت نفوسهم عن الدنيا ، فما أنس إليهم شيء ، ولا أقر لعيونهم من النظر إليّ ، يستعجلون القدوم عليّ وأنا أكره أن أميتهم ؛ لأنهم موضع نظري ، من بين خلقي أنظر إليهم وينظرون إليّ ، فإذا رأيتهم يا داود وقد ذابت نفوسهم ، ونحلت أجسامهم ، وخشعت عيونهم ، وتهشمت أعضاؤهم ، وانخلعت قلوبهم ، إذا سمعوا بذكري فأباهي بهم ملائكتي ، وأهل سماواتي ، ينظرون إليّ فيزدادون خوفا وعبادة ، إن ناجوني أصغيت إليهم ، وإن نادوني أقبلت عليهم ، وإن أقبلوا إليّ أدنيتهم ، وإن دنوا مني قربتهم ، وإن والوني واليتهم ، وإن صافوني صافيتهم ، وإن عملوا لي جازيتهم . أنا مدبر أمورهم ، وأنيس قلوبهم ، ومتولي أحوالهم ، لم أجعل في قلوبهم راحة في شيء غير ذكري ، ولا يلتفتون إلا إليّ ، ولا يحطون رحال قلوبهم إلا عندي ، فوعزتي وجلالي لأمكننهم في رؤيتي . إني حبيب لمن أحبّني ، وجليس لمن جالسني ، وأنيس لمن آنس بي ، وصاحب لمن صاحبني ، ومطيع لمن أطاعني ، ومختار لمن اختارني ، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومعاملتي ، وأنا الجوّاد الماجد أقول للشيء : كن فيكون . ثم خنقته العبرة حتى غشي عليه ، فلما أفاق قلت له : يا سيدي أوصني ؟ فقال : يا أبا عمرو اقطع عن قلبك كل علاقة ، ولا تضع شيئا دونه ، فقلت له : يا سيدي ادع لي ، فقال : خفف اللّه عنك مؤن نصب السير إليه ، ولا جعل بينك وبينه حجابا ، ثم ولى كالهارب من الأسد ، وأنشد