طارق زين العابدين
262
دعوة إلى سبيل المؤمنين
بذلك ، إذ أوتي يحيى عليه السلام الحكم وهو صبي ، وجعل الله تعالى عيسى نبيا وهو رضيع ، فهل كانا لا يعرفان ما الإيمان بالله في ذلك العمر ؟ ! إذا ، فلا ريب يخالج النفس في إيمان علي عليه السلام ورجاحة عقله يوم عين خليفة على المسلمين في بدء الرسالة ، لعدم كذب النبي صلى الله عليه وآله في قوله : " هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم " . فهذه من الحوادث التي عادة ما يمر عليها الناس مرور الكرام ، دون أن تخشع لها قلوبهم وتشهد بخلافة علي عليه السلام ، رغم وضوحها وصراحتها . خلافة علي عليه السلام في حديث الثقلين إن حديث الثقلين من الأحاديث التي تبين حقيقة الخلافة بوضوح وجلاء ، وتحكي عن استخلاف النبي صلى الله عليه وآله لعترته من بعده مبينا في عبارات صريحة طريق النجاة والسلامة من الضلال والانحراف عن سبيل المؤمنين . لقد خاطب النبي صلى الله عليه وآله الناس فقال لهم : " إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض - أو ما بين السماء إلى الأرض - وعترتي أهل بيتي . وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " ( 1 ) . إن المتدبر في هذا الحديث - لا سيما قوله صلى الله عليه وآله : " إني تارك فيكم خليفتين " - لا يجد في هذه العبارة ، ولا يفهم منها سوى خلافة العترة . وهذا مما لا يحتاج إلى كبير عناء ، ولا يجوز لمسلم أن يتلو هذا الحديث دون أن يتدبر في معانيه وعباراته . إن استخلاف القرآن لا يعني بأي حال من الأحوال تركه بين الناس مصحفا مدونا ليأخذ كل فرد منه على حدة حسبما يفهمه هو ويدركه ، ويعمل على أساس ذلك ، لأن التعامل مع القرآن بهذا الأسلوب لا يؤدي إلا إلى التشتت والافتراق ، فالتناحر والخصام والاختلاف . إن القرآن - وهو دستور الحياة الذي فرض على الناس العمل به والعيش على أساس هدايته - يحتاج إلى من يبينه للناس بيانا لفظيا وعمليا . والالتفات حول فرد
--> 1 - مسند أحمد بن حنبل 5 : 182 .