ابن قيم الجوزية

94

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) [ النّازعات : 45 ] وقال : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [ ق : 45 ] وأخبر تعالى أن أهل النجاة في الدنيا والآخرة هم المصدقون بالوعيد ، الخائفون منه . فقال تعالى : وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ( 14 ) [ إبراهيم : 14 ] . قال : « وأما معرفة الزيادة والنقصان من الأيام : فإنها تستقيم بثلاثة أشياء : سماع العلم ، وإجابة داعي الحرمة ، وصحبة الصالحين . وملاك ذلك كله : خلع العادات » . يعني أن السالك : على حسب علمه بمراتب الأعمال ، ونفائس الكسب . تكون معرفته بالزيادة والنقصان في حاله وإيمانه . وكذلك تفقّد إجابة داعي تعظيم حرمات اللّه من قلبه : هل هو سريع الإجابة لها ، أم هو بطيء عنها ؟ فبحسب إجابة الداعي - سرعة وإبطاء - تكون زيادته ونقصانه . وكذلك صحبة أرباب العزائم ، المشمرين إلى اللحاق بالملأ الأعلى ، يعرف به ما معه من الزيادة والنقصان . والذي يملك به ذلك كله خروجه عن العادات والمألوفات ، وتوطين النفس على مفارقتها ، والغربة بين أهل الغفلة والإعراض . وما على العبد أضر من ملك العادات له . وما عارض الكفار الرسل إلا بالعادات المستقرة ، الموروثة لهم عن الأسلاف الماضين . فمن لم يوطن نفسه على مفارقتها والخروج عنها ، والاستعداد للمطلوب منه . فهو مقطوع ، وعن فلاحه وفوزه ممنوع * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) [ التّوبة : 46 ] . فإذا استحكمت يقظته أوجبت له الفكرة . وهي - كما تقدم - تحديق القلب إلى جهة المطلوب التماسا له . وصاحب المنازل جعلها بعد « البصيرة » وقال في حدّها « هي تلمس البصيرة لاستدراك البغية » أي التماس العقل المطلوب بالتفتيش عليه . قال : « وهي ثلاثة أنواع : فكرة في عين التوحيد ، وفكرة في لطائف الصنعة ، وفكرة في معاني الأعمال والأحوال » . قلت : الفكرة فكرتان : فكرة تتعلق بالعلم والمعرفة ، وفكرة تتعلق بالطلب والإرادة . فالتي تتعلق بالعلم والمعرفة : فكرة التمييز بين الحق والباطل ، والثابت والمنفي . والتي تتعلق بالطلب والإرادة : هي الفكرة التي تميز بين النافع والضار . ثم يترتب عليها فكرة أخرى في الطريق إلى حصول ما ينفع ، فيسلكها . والطريق إلى ما يضر فيتركها . فهذه ستة أقسام . لا سابع لها ، هي مجال أفكار العقلاء . فالفكرة في التوحيد : استحضار أدلته ، وشواهد الدلالة على بطلان الشرك واستحالته ، وأن الإلهية يستحيل ثبوتها لاثنين ، كما يستحيل ثبوت الربوبية لاثنين . فكذلك من أبطل الباطل عبادة اثنين ، والتوكل على اثنين . بل لا تصح العبادة إلا للإله الحق ، والرب الحق . وهو اللّه الواحد القهار .