ابن قيم الجوزية

92

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الماحية ، والمصائب المكفرة . فإن محصته هذه الأربعة وخلصته : كان من الذين تتوفاهم الملائكة طيبين . يبشرونهم بالجنة ، وكان من الذين تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [ فصّلت : 30 ] عند الموت أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 30 ) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ( 32 ) [ فصّلت : 30 - 32 ] . وإن لم تف هذه الأربعة بتمحيصه وتخليصه ، فلم تكن التوبة نصوحا - وهي العامة الشاملة الصادقة - ولم يكن الاستغفار كاملا تاما - وهو المصحوب بمفارقة الذنب ، والندم عليه - وهذا هو الاستغفار النافع ، لا استغفار من في يده قدح السكر ، وهو يقول : أستغفر اللّه ، ثم يرفعه إلى فيه . ولم تكن الحسنات في كميتها وكيفيتها وافية بالتكفير ، ولا المصائب . وهذا إما لعظم الجناية ، وإما لضعف الممحص ، وإما لهما - محّص في البرزخ بثلاثة أشياء . أحدها : صلاة أهل الإيمان الجنازة عليه ، واستغفارهم له ، وشفاعتهم فيه . الثاني : تمحيصه بفتنة القبر ، وروعة الفتان ، والعصرة والانتهار ، وتوابع ذلك . الثالث : ما يهدي إخوانه المسلمون إليه من هدايا الأعمال ، من الصدقة عنه ، والحج ، والصيام عنه ، وقراءة القرآن عنه « 1 » ، والصلاة . وجعل ثواب ذلك له . وقد أجمع الناس على وصول الصدقة والدعاء . قال الإمام أحمد : لا يختلفون في ذلك . وما عداهما فيه اختلاف . والأكثرون يقولون بوصول الحج . وأبو حنيفة يقول : إنما يصل إليه ثواب الإنفاق ، وأحمد ومن وافقه : مذهبهم في ذلك أوسع المذاهب . يقولون : يصل إليه ثواب جميع القرب . بدنيّها وماليها ، والجامع للأمرين . واحتجوا بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لمن سأله « يا رسول اللّه ، هل بقي من برّ أبوي شيء أبرهما به بعد مماتهما ؟ قال : نعم . فذكر الحديث » « 2 » وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « من مات وعليه صيام صام عنه وليه » . فإن لم تف هذه بالتمحيص . محّص بين يدي ربه في الموقف بأربعة أشياء : أهوال القيامة وشدة الموقف . وشفاعة الشفعاء . وعفو اللّه عزّ وجلّ . فإن لم تف هذه الثلاثة بتمحيصه فلا بد له من دخول الكير ، رحمة في حقه ليتخلص ويتمحص ، ويتطهر في النار . فتكون النار طهرة له وتمحيصا لخبثه . ويكون مكثه فيها على حسب كثرة الخبث وقلته ، وشدته وضعفه وتراكمه . فإذا خرج خبثه وصفّي ذهبه . وصار خالصا طيبا ، أخرج من النار ، وأدخل الجنة .

--> ( 1 ) ليست في قراءة القرآن للموتى إلا دعاوى ومنامات المقلدين ، الذين يلقون القول على عواهنه بدون تحقيق ولا تمحيص . والقرآن إنما أنزله اللّه ليدبره أولو الألباب من الأحياء لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا [ يس : 70 ] وقال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [ النساء : 82 ] وقال : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ إبراهيم : 2 ] وخير الهدى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها . ( 2 ) الأحاديث الواردة في ذلك كلها في نيابة الأولاد عن والديهم إلا حديث الصيام الذي ذكره المصنف . فقد جاء بلفظ « الولي » فإذا حمل الولي على الولد اتفقت الأحاديث مع حديث « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة . صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » رواه مسلم وغيره ووافقت كلها قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) [ النجم : 39 ] وإلا احتيج إلى الجواب عن الآية . والحديث . وأين هو ؟ .