ابن قيم الجوزية

90

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

هؤلاء طبقة ، مثل أبي سليمان الداراني ، وعون بن عبد اللّه - الذي كان يقال له حكيم الأمة - وأضرابهما . فإنهم تكلموا على أعمال القلوب ، وعلى الأحوال كلاما مفصلا جامعا مبينا مطلقا من غير ترتيب ، ولا حصر للمقامات بعدد معلوم . فإنهم كانوا أجلّ من هذا . وهمهم أعلى وأشرف ، إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة ، وطهارة القلوب ، وزكاة النفوس ، وتصحيح المعاملة . ولهذا كلامهم قليل فيه البركة « 1 » . وكلام المتأخرين كثير طويل قليل البركة . ولكن لا بد من مخاطبة أهل الزمان باصطلاحهم . إذ لا قوة لهم للتشمير إلى تلقي السلوك عن السلف الأول وكلماتهم وهديهم . ولو برز لهم هديهم وحالهم لأنكروه ، ولعدوه سلوكا عاميا ، وللخاصة سلوك آخر ، كما يقول ضلّال المتكلمين وجهلتهم « إن القوم كانوا أسلم . وإن طريقنا أعلم » وكما يقول من لم يقدر قدرهم من المنتسبين إلى الفقه « إنهم لم يتفرغوا لاستنباطه . وضبط قواعده وأحكامه . اشتغالا منهم بغيره . والمتأخرون تفرغوا لذلك . فهم أفقه » . فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف ، وعن عمق علومهم ، وقلة تكلفهم ، وكمال بصائرهم . وتاللّه ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها ، وضبط قواعدها ، وشد معاقدها ، وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء « 2 » . فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن ، و قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [ الطّلاق : 3 ] . فالأولى بنا : أن نذكر منازل « العبودية » الواردة في القرآن والسنة . ونشير إلى معرفة حدودها ومراتبها . إذ معرفة ذلك من تمام معرفة حدود ما أنزل اللّه على رسوله . وقد وصف اللّه تعالى من لم يعرفها بالجهل والنفاق . فقال تعالى : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [ التّوبة : 97 ] فبمعرفة حدودها دراية ، والقيام بها رعاية : يستكمل العبد الإيمان . ويكون من أهل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . ونذكر لها ترتيبا غير مستحق ، بل مستحسن ، بحسب ترتيب السير الحسّي ، ليكون ذلك أقرب إلى تنزيل المعقول منزلة المشهود بالحس . فيكون التصديق أتم . ومعرفته أكمل . وضبطه أسهل . فهذه فائدة ضرب الأمثال ، وهي خاصة العقل ولبّه . ولهذا أكثر اللّه تعالى منها في القرآن . ونفى عقلها عن غير العلماء . فقال تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ( 43 ) [ العنكبوت : 43 ] .

--> ( 1 ) إنما البركة والهدى والنور حقا في كلام اللّه ورسوله ، وكلام أئمة السنة من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين . كمالك والشافعي وإخوانهما رضي اللّه عنهم . ( 2 ) إنما هذا للصحابة والتابعين من أئمة الهدى والحديث ، كمالك والشافعي والثوري والبخاري وأحمد وإخوانهم ، أما الصوفية فحاشاهم وبعدا . فسلفهم ورثة الهند ، والفرس كانوا يقللون القول ويضغطونه خوفا من قوة فقه المعاصرين من التابعين . ونفاذ بصيرتهم ، وقوة شوكة الدولة الإسلامية . فلما ضعف هذا وهذا ، صرح المتأخرون وتبجحوا . والإسلام من أول مرسل به - وهو نوح - إلى خاتمهم محمد صلى اللّه عليه وسلم ، في طريق ، والصوفية في طريق آخر ، وشتان بين أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ، مهما حاول المتأولون .